الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 50 ] ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )

قوله تعالى :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )

هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات ، وتقريره من وجوه :

الأول : أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم ، ولا مزيد على بيان الله .

الثاني : أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار ، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلا وخبره الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء محالا امتنع أن يريده ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار ، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار ، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية .

الثالث : أن القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد أن يدخله في النار ، وإن كان قادرا على الكفر وعلى الإيمان معا امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للكفر ، فقد خلقه للنار قطعا .

الرابع : أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ، فحينئذ حصل مراد العبد ، ولم يحصل مراد الله تعالى ، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل .

والخامس : أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار ، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة ، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده ، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى .

فإن قالوا : العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل ؛ لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح .

فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل ، وهو محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس )

قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ؛ لأن كثيرا من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة والعبادة والخير والصلاح . قال تعالى :( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله ) [ الفتح : 8 - 9 ] وقال :( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) [ النساء : 64 ] وقال :( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) [ الفرقان : 50 ] وقال :( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) [ الحديد : 9 ] وقال :( وأنزلنا معهم الكتاب ) [ ص: 51 ] ( والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد : 25 ]

وقال :( يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ) [ إبراهيم : 10 ] ، وقال :( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات : 56 ] وأمثال هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) على ظاهره .

الوجه الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ) وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنار ، لما كانوا قادرين على الإيمان البتة ، وعلى هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان .

الوجه الثالث : وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلا ؛ لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوا مسموما فإنه لا يكون منعما عليه ، فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملوءا من كثرة نعمة الله على كل الخلق ، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم .

الوجه الرابع : أن المدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه .

الوجه الخامس : لو أنه تعالى خلقهم للنار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار ، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم .

الوجه السادس : أن قوله :( ولقد ذرأنا لجهنم ) متروك الظاهر ، لأن جهنم اسم لذلك الموضع المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مرادا منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف ، فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله :( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) لأن ظاهرها يصح دون حذف .

الوجه السابع : أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة ، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والإنس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر : أما القرآن فقوله تعالى :( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ) [ الأنعام : 105 ] ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا اللفظ ، وأيضا قال تعالى :( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) [ يونس : 88 ] ، وأيضا قال تعالى :( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) [ القصص : 8 ] وهم ما التقطوه لهذا الغرض ، إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر فأبيات قال :

[ ص: 52 ]

وللموت تغدوا الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تبنى المساكن



وقال :


أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها



وقال :


له ملك ينادي كل يوم     لدوا للموت وابنوا للخراب



وقال :


وأم سماك فلا تجزعي     فللموت ما تلد الوالدة



هذا منتهى كلام القوم في الجواب .

واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثا . وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله :( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) وهو صريح مذهبنا ، وما بعد هذه الآية ، وهو قوله :( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) [ الأعراف : 182 ، 183 ] ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا ، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفا جدا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث