الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده

أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير

يجري هذا الكلام على الوجهين المذكورين في قوله : وإن تكذبوا ، ويترجح أن هذا مسوق من جانب الله تعالى إلى المشركين بأن الجمهور قرءوا " أولم يروا " بياء الغيبة ولم يجر مثل قوله : وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم . ومناسبة التعرض لهذا هو ما جرى من الإشارة إلى البعث في قوله : وإليه ترجعون تنظيرا لحال مشركي العرب بحال قوم إبراهيم .

وقرأ الجمهور " أولم يروا " بياء الغائب ، والضمير عائد إلى الذين كفروا في قوله : وقال الذين كفروا للذين آمنوا ، أو إلى معلوم من سياق الكلام . وعلى وجه أن يكون قوله : وإن تكذبوا إلخ خارجا عن مقالة إبراهيم يكون ضمير الغائب في أولم يروا التفاتا . والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لنكتة إبعادهم عن شرف الحضور بعد الإخبار عنهم بأنهم مكذبون .

وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف " أولم تروا " بالفوقية على [ ص: 228 ] طريقة وإن تكذبوا على الوجهين المذكورين .

والهمزة للاستفهام الإنكاري عن عدم الرؤية ، نزلوا منزلة من لم ير فأنكر عليهم .

والرؤية يجوز أن تكون بصرية ، والاستدلال بما هو مشاهد من تجدد المخلوقات في كل حين بالولادة وبروز النبات دليل واضح لكل ذي بصر .

وإبداء الخلق : بدؤه وإيجاده بعد أن لم يكن موجودا . يقال : " أبدأ " بهمزة في أوله ، و " بدأ " بدونها ، وقد وردا معا في هذه الآية إذ قال : كيف يبدئ الله الخلق ثم قال فانظروا كيف بدأ الخلق ولم يجئ في أسمائه تعالى إلا المبدئ دون البادئ .

وأحسب أنه لا يقال " أبدأ " بهمز في أوله إلا إذا كان معطوفا عليه " يعيد " ، ولم أر من قيده بهذا .

والخلق : مصدر بمعنى المفعول ، أي المخلوق كقوله تعالى : هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه .

وجيء يبدئ بصيغة المضارع لإفادة تجدد بدء الخلق كلما وجه الناظر بصره في المخلوقات ، والجملة انتهت بقوله : يبدئ الله الخلق . وأما جملة ثم يعيده فهي مستأنفة ابتدائية ، فليست معمولة لفعل يروا ؛ لأن إعادة الخلق بعد انعدامه ليست مرئية لهم ولا هم يظنونها ، فتعين أن تكون جملة ثم يعيده مستقلة معترضة بين جملة أولم يروا وجملة قل سيروا في الأرض . و ثم للتراخي الرتبي ؛ لأن أمر إعادة الخلق أهم وأرفع رتبة من بدئه ؛ لأنه غير مشاهد ، ولأنهم ينكرونه ولا ينكرون بدء الخلق ، قال في " الكشاف " : هو كقولك : مازلت أوثر فلانا وأستخلفه على من أخلفه ، يعني فجملة : وأستخلفه ، ليست معطوفة على جملة : " أوثر " ، ولا داخلة في خبر " مازلت " ؛ لأنك تقوله قبل أن تستخلفه فضلا [ ص: 229 ] عن تكرر الاستخلاف منك . هذه طريقة " الكشاف " ، وهو يجعل موقع " ثم يعيده " كموقع التفريع على الاستفهام الإنكاري .

واعلم أن هذين الفعلين " يبدئ ويعيد " وما تصرف منهما مما جرى استعمالهما متزاوجين بمنزلة الاتباع كقوله تعالى : وما يبدئ الباطل وما يعيد في سورة سبأ . قال في " الكشاف " في سورة سبأ : فجعلوا قولهم : لا يبدئ ولا يعيد ، مثلا في الهلاك ، ومنه قول عبيد :


فاليوم لا يبدي ولا يعيد

ويقال : أبدأ وأعاد بمعنى تصرف تصرفا واسعا ، قال بشار :


فهمومي مظلة     بادئات وعودا

ويجوز أن تكون الرؤية علمية متعدية إلى مفعولين ، أنكر عليهم تركهم النظر والاستدلال الموصل إلى علم كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ؛ لأن أدلة بدء الخلق تفضي بالناظر إلى العلم بأن الله يعيد الخلق ، فتكون " ثم " عاطفة فعل يعيده على فعل يبدئ ، والجميع داخل في حيز الإنكار .

و " كيف " اسم استفهام وهي معلقة فعل يروا عن العمل في معموله أو معموليه . والمعنى : ألم يتأملوا في هذا السؤال ، أي في الجواب عنه . والاستفهام " بكيف " مستعمل في التنبيه ولفت النظر لا في طلب الإخبار .

وجملة إن ذلك على الله يسير مبينة لما تضمنه الاستفهام من إنكار عدم الرؤية المؤدية إلى العلم بوقوع الإعادة ، إذ أحالوها مع أن إعادة الخلق إن لم تكن أيسر من الإعادة في العرف فلا أقل من كونها مساوية لها ، وهذا كقوله تعالى :وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه . والإشارة بـ ذلك إلى المصدر المفاد من يعيده مثل عود الضمير على نظيره في قوله : وهو أهون عليه . ووجه توكيد الجملة بـ " إن " رد دعواهم أنه مستحيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث