الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة النور

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5130 ] سورة " النور "

تمهيد:

هذه سورة مدنية؛ وعدد آياتها أربع وستون آية؛ وسميت " النور " ؛ لقوله (تعالى) فيها: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ؛ وإنها لو سميت سورة " الأسرة " ؛ لكانت جديرة بهذا الاسم.

وقد ابتدأ بما هو آفة الأسرة؛ وحمايتها منه؛ وهو الزنا؛ فكان أولها عقوبة الزناة؛ التي تحمي الأسرة والمجتمع من أشراره: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين

وأراد الله (تعالى) أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا نزيها؛ لا يترامى بالسوء والفاحشة؛ صيانة للفضيلة؛ ونصاب الشهادة بالزنا أربعة؛ فمن رمى محصنة أو محصنا بالزنا يجلد ثمانين جلدة؛ فقال: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم

قرر - سبحانه - عقوبة مادية بالجلد؛ ثمانين جلدة؛ وعقوبة أدبية تبعية؛ وهي ألا تقبل لهم شهادة أبدا. [ ص: 5131 ] ولكن قد يرمي الرجل زوجه؛ وليس معه شهود أربعة؛ فأوجب اللعان؛ بأن يتحالفا على البراءة؛ وقد قال (تعالى): والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ؛ وإن ذلك فضل من الله ورحمة؛ لأنه حمى المجتمع والأسرة من تلك الآفة الخلقية المخربة؛ ولأنه منع قول الزور؛ وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

وقد أشارت السورة إلى حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها وعن أبيها -؛ فقال - عز من قائل -: إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ؛ وعلمنا الأدب عندما نستمع خبر سوء؛ فلا يجوز لنا أن نذيعه؛ بل نظن خيرا بالمؤمنين؛ وخصوصا ما يتعلق ببيت الرسول: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون

وإن هذا كان جرما عظيما; لأن رمي المحصنات أمر عظيم؛ ورمي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - جرم هو أعظم الحرام؛ ويقول - سبحانه -: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ؛ وإن إشاعة قول السوء عن أم المؤمنين تؤدي إلى إشاعة الفاحشة في المؤمنين: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم

ويبين لنا - سبحانه - أن الخوض في مثل هذا من تتبع خطوات الشيطان؛ [ ص: 5132 ] وينهانا - سبحانه - عن ذلك؛ فيقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء

والأسر لا بد فيها من التراحم؛ ولو كان بعض آحادها قد شذ؛ كما شذ بعض ذوي قرابة أبي بكر؛ الذي كان يمده بفضل ماله؛ فخاض في حديث الإفك على عائشة؛ فمنعه أبو بكر من فضله؛ فقال الله (تعالى) - ناهيا أبا بكر؛ ومن يكون في مثل حاله -: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ؛ وقد بين - سبحانه - بعد ذلك إثم الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات؛ لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين

وإن الله لا يختار لنبيه إلا الطيب من النساء; لأن الطيبات للطيبين؛ والخبيثات للخبيثين؛ والنبي وزوجه مبرؤون مما يقولون؛ لهم مغفرة ورزق كريم؛ وقد بين - سبحانه وتعالى - حرمة البيوت؛ وتحريم التهجم على الأسرة بغير إذن؛ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ؛ ويفصل - سبحانه - بدقة لأحوال الاستئذان؛ فيقول: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

بعد ذلك أقر الله (تعالى) بغض الطرف للرجال والنساء؛ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون [ ص: 5133 ] وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ؛ ويحث على إنكاح الأيامى غير المتزوجات؛ والصالحين من العباد؛ ولو كانوا فقراء؛ وإن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله؛ ونهى عن البغاء ووسائله؛ ونهى عن إكراه الإماء على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا؛ ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم

وتنتقل الآيات إلى تطهير المجتمع على نور من أحكام الله (تعالى)؛ وقد ابتدأ بذكر نوره - سبحانه -؛ فقال - جل شأنه -: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

وإن صلاح المجتمع يبتدئ من بيوت العبادة؛ بالصلاة؛ فهي طهارة القلوب؛ والمجتمع الصالح ما قام إلا على طهارة النفوس؛ فذكر - سبحانه وتعالى - المساجد ومكانتها عند الله؛ فقال (تعالى): في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب

وقد بين - سبحانه وتعالى - بعد ذلك أن أعمال الكفار في ضياع؛ ما داموا لم يؤمنوا بالله؛ واليوم الآخر؛ وقد شبهها - سبحانه وتعالى - بعدة تشبيهات؛ فشبهها [ ص: 5134 ] بالسراب الذي يكون بقيعة؛ حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؛ وشبهها بالظلمات: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

ويوجه الأنظار إلى خلقه - سبحانه وتعالى - وخضوع الوجود له: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير

يوجه - سبحانه - الأنظار إلى السحاب؛ وكيف يتكون: ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينـزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار

ثم يوجه - سبحانه - الأنظار إلى خلق الدواب: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير

بعد هذا بين كيف أنزل أكبر النعم؛ وهي نعمة الرسالة: لقد أنـزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ؛ ويذكر بعد ذلك أحوال الذين تلقوا هذه الآيات: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ؛ وهؤلاء لا يتجاوز النطق بالشهادة حناجرهم: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون

وهؤلاء كالأعراب الذين كانوا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وكالذين يذكرون في الأسماء الإسلامية؛ ويؤمنون بالقوانين الأوربية؛ ولا يؤمنون بشريعة القرآن: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا [ ص: 5135 ] سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون

ومن ضعفاء الإيمان من يقسمون بالله: إنهم لمعهم؛ فيقول لهم الله (تعالى): لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ؛ وبين من بعد ذلك: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ؛ ويأمر - سبحانه وتعالى - بعد ذلك بإقامة الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وطاعة الرسول؛ رجاء رحمة الله؛ ويبين بعد ذلك أنه لا يعجزه المشركون في الأرض؛ ولكن يمهلهم؛ ومأواهم بعد الإمهال جهنم وبئس المصير.

بعد هذه الآيات المتعلقة بالإيمان؛ وأخلاق ضعفاء الإيمان ومن في قلوبهم مرض والمشركين؛ يعود إلى الأسرة وآداب الاستئذان؛ وقد تكلم في الاستئذان بالنسبة للداخلين في بيوت غير بيوتهم؛ ثم من بعد ذلك تكلم في استئذان الساكنين من الأسرة في دار واحدة؛ في الاستئذان على الأسرة نفسها؛ في الدخول إلى الحجرات المخصصة للرجل وزوجه؛ فقال: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم

الأطفال البالغون الحلم علمهم الاستئذان ككل آحاد الأسرة؛ لا في أوقات العورات فقط؛ ولا تترك الآيات أحكام القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا؛ أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة؛ وأن يستعففن خير لهن؛ والله سميع عليم. [ ص: 5136 ] وتكلم - سبحانه - في نفقات الأقارب؛ فيقول: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون

وقد ذكر - سبحانه وتعالى - ما يجب أن يكون عليه المؤمنون؛ فقال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ؛ ويعلم - سبحانه - المؤمنين في أدبهم مع الرسول؛ فيقول - عز من قائل -: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم

وختم الله - سبحانه وتعالى - السورة ببيان سلطانه في هذا الوجود كله: ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث