الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين

ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم لإشعارهم استبعادهم لأن يكون الرسل بشرا، وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم الله ونصرهم على عدوهم وأوضح لهم الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه بشرا - إلها، أتبع ذلك ذكره تعجيبا من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك نزول في أمر من أرسلوا إليهم، وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهم، فقال: وجعلنا أي بعظمتنا ابن مريم نسبه إليها تحقيقا لكونه لا أب له، وكونه بشرا محمولا في البطن مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية; وزاد في حقيقة ذلك بقوله: وأمه وقال: آية إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما حتى كأنهما نفس الآية، فلا يرى منها شيء إلا وهو آية، ولو قال: آيتين، لكان ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد، ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكملت به آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى [ ص: 149 ] كآدم عليه السلام ، ومن ذكر بلا أنثى كحواء عليها السلام، ومن أنثى بلا ذكر كعيسى عليه السلام ، ومن الزوجين كبقية الناس، والمراد أن بني إسرائيل - مع الكتاب الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم.

ولما كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من هذه العبارة بشيء، حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال: وآويناهما أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما إلى ربوة أي مكان عال من الأرض، وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة، والظاهر أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر ; قال ابن كثير : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - انتهى.

ذات قرار أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق ومعين أي ماء ظاهر للعين، ونافع كالماعون، فرع اشتق من أصلين، ولم يقدر من خالفه من الملوك وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا في حال صغره، ولا في حال كبره، كما مضى نقله عن [ ص: 150 ] الإنجيل وصدقه عليه القرآن، مع كونه مظنة لتناهي الضعف بكونه، من أنثى فقط ولا ناصر له إلا الله، ومع ذلك فأنجح الله أمره وأمر من اتبعه، وخيب به الكافرين، ورفعه إليه ليؤيد به هذا الدين في آخر الزمان، ويكون للمؤمنين حينئذ فلاح لم يتقدمه مثله، وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه.

ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل:

قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى فإني خلطت كلام المترجمين الأربعة: ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع أي الاثني عشر تلميذا - له: تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال التي تعمل لأنه ليس أحد يعمل شيئا سرا فيجب أن يكون علانية إذ كنت تعمل هذه الأشياء فأظهر نفسك للعالم، فقال لهم يسوع : أما وقتي فلم يبلغ، وأما وقتكم فإنه مستعد في كل حين، لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني أشهد عليهم أن أعمالهم شريرة، اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، فإني لا أصعد الآن، ثم قال: ولما انتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم، وكان اليهود [ ص: 151 ] يتعجبون ويقولون: كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد، فقال: تعليمي ليس هو لي، بل للذي أرسلني، فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف تعليمي هو من الله أو من عندي؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، وأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم، أليس موسى أعطاكم الناموس وليس فيكم أحد يعمل بالناموس، ثم قال: وفي اليوم العظيم الذي هو آخر العيد كان يسوع قائما ينادي: كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من بطنه أنهار ماء الحياة، وإن الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا: هذا نبي حقا، وآخرون قالوا: هذا هو المسيح ، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ أليس قد قال الكتاب: إنه من نسل داود ، من بيت لحم قرية داود خاصة يأتي المسيح ، فوقع بين الجموع خوف من أجله، قال متى : حينئذ جاء إلى يسوع من يروشليم كتبة وفريسيون قائلين: لماذا تلاميذك يتعدون وصية المشيخة إذ لا يغسلون أيديهم عند أكلهم; وقال مرقس : ثم اجتمع إليه الفريسيون وبعض الذين جاؤوا من يروشليم فنظروا إلى تلاميذه يأكلون الطعام بغير غسل أيديهم، لأن الفريسيين [ ص: 152 ] وكل اليهود لا يأكلون إلا بغسل أيديهم تمسكا بتعليم شيوخهم والذين يشترونه من الأسواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه، وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة، وسأله الكتبة والفريسيون: لم تلاميذك لا يسيرون على ما وصت به المشيخة قال متى : فأجابهم وقال: لماذا أنتم تتعدون وصية الله من أجل سننكم، ألم يقل الله: أكرم أباك وأمك، والذي يقول كلاما رديئا في أبيه وأمه يستأصل بالموت، وأنتم تقولون: من قال لأبيه أو لأمه.

إن القربان شيء ينتفع به، فلا يكرم أباه وأمه، فأبطلتم كلام الله من تلقاء روايتكم; قال مرقس : وتفعلون كثيرا مثل هذا - انتهى. يا مراؤون حسنا يثني وقال مرقس : نعما يثني عليكم أشعيا قائلا: إن هذا شعب قرب مني ويكرمني بشفتيه، [ ص: 153 ] وقلبه بعيد عني، يعبدونني باطلا ويعلمون تعليم وصايا الناس. ودعا الجمع وقال لهم: اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، لكن الذي يخرج من الفم ينجس الإنسان، حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا: اعلم أن الفريسين لما سمعوا الكلام شكوا، فأجابهم وقال: كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع، دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان، أجابه بطرس وقال: فسر لنا المثل! فقال: حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج، فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج من القلب، هذا الذي ينجس الإنسان، لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير: القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف، هذا هو الذي ينجس الإنسان، وأما الأكل بغير غسل الأيدي فليس ينجس الإنسان، وقال مرقس : إن كل ما كان خارجا يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب، بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج، والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان، لأنه من داخل تخرج أفكار السوء: فجور الزنى قتل سرقة [ ص: 154 ] شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل، هذا كله شر من داخل يخرج وينجس الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا: الأب - كما تقدم غير مرة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث