الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منه

3872 باب منه

وهو في النووي في: (الباب المتقدم).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 53، 54، 55 جـ 14 المطبعة المصرية

[ عن جبير بن نفير ؛ أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها ) .

وفي الرواية الأخرى ( قال: فقال: ( أأمك أمرتك بهذا؟ ( قلت: أغسلهما، قال: ( بل أحرقهما) " ].

[ ص: 50 ]

التالي السابق


[ ص: 50 ] (الشرح)

(عن عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله عنهما؛ (قال: رأى رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ علي ثوبين معصفرين، فقال لي): "إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها").

وفي الرواية الأخرى؛ (فقال: أمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: لا؛ بل أحرقهما). وروى الأولى: أحمد والنسائي أيضا.

واختلف أهل العلم في الثياب المصبوغة بالعصفر؛ فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك؛ لكنه قال: غيرها أفضل منها.

وقال جماعة من العلماء: هو مكروه؛ كراهة النزاهة. وحملوا النهي على هذا. لأنه ثبت أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: لبس حلة حمراء.

وفي الصحيحين: "عن ابن عمر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله [ ص: 51 ] عليه وآله وسلم؛ يصبغ بالصفرة "

زاد في رواية أبي داود، والنسائي: "وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها".

وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب، بعد النسج. فأما ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل في النهي. انتهى. وكأنه نظر إلى ما في الصحيحين، من ذكر مطلق الصبغ بالصفرة؛ فقصره على صبغ اللحية دون الثياب. وجعل النهي متوجها إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك الزيادة المصرحة: بأنه كان يصبغ ثيابه بالصفرة.

ويمكن الجمع: بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول الله؛ صلى الله عليه وآله وسلم: غير صفرة العصفر المنهي عنها. ويؤيده حديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كان يصبغ بالزعفران".

وقد أجاب من لم يقل بالتحريم؛ عن حديث الباب: بأنه لا يلزم من نهيه له: نهي سائر الأمة. وكذلك عن حديث علي؛ بلفظ "نهاني": أن ذلك مختص به. ولهذا ثبت في رواية عنه، أنه قال: "ولا أقول: نهاكم". وهذا الجواب، يبنى على الخلاف المشهور بين أهل الأصول، في حكمه، صلى الله عليه وآله وسلم، على الواحد من الأمة: هل يكون حكما على بقيتهم أو لا؟ والحق: الأول [ ص: 52 ] فيكون نهيه لعلي وابن عمرو: نهيا لجميع الأمة. ولا يعارضه صبغه بالصفرة، على تسليم أنها من العصفر. لما تقرر في الأصول: من أن فعله الخالي عن دليل التأسي الخاص، لا يعارض قوله الخاص بأمته. فالراجح: تحريم الثياب المعصفرة. "والعصفر"، وإن كان يصبغ صبغة أحمر - كما قال ابن القيم - فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في الصحيحين: "أنه كان يلبس حمراء". لأن النهي في هذه الأحاديث؛ يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة: وهي الحمرة الحاصلة من صبغ العصفر. وقد قال البيهقي في كتابه "معرفة السنن"؛ رادا لقول الشافعي: (إنما رخصت في المعصفر؛ لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: النهي عنه؛ إلا ما قال علي: نهاني، ولا أقول: نهاكم): وقد جاءت أحاديث: تدل على النهي؛ على العموم. ثم ذكر حديث الباب. ثم أحاديث أخر، ثم قال. بعد ذلك: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي، لقال بها، إن شاء الله تعالى. ثم ذكر بإسناده: ما صح عن الشافعي، أنه قال: (إذا صح الحديث خلاف قولي، فاعملوا بالحديث ودعوا قولي). وفي رواية: (فهو مذهبي). قال البيهقي: قال الشافعي: [ ص: 53 ] وأنهى الرجل بكل حال: أن يتزعفر. قال: وآمره إذا تزعفر؛ أن يغسله. قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر. فمتابعتها في المعصفر أولى. قال: وقد كره المعصفر: بعض السلف. وبه قال الحليمي. ورخص فيه جماعة. والسنة أولى بالاتباع. انتهى.

قال النووي : وحمل بعض العلماء النهي هنا: (أي في حديث الباب): على المحرم بالحج والعمرة؛ ليكون موافقا لحديث ابن عمر: "نهي المحرم: أن يلبس ثوبا مسه ورس، أو زعفران". انتهى. والراجح: ما قدمناه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث