الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن تختم الذهب والشرب بالفضة ولبس الحرير والديباج

3848 باب: النهي عن تختم الذهب، والشرب بالفضة، ولبس الحرير والديباج

وقال النووي (باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة: على الرجال والنساء. وخاتم الذهب والحرير: على الرجل، وإباحته للنساء. إلخ).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 30، 31 جـ 14 المطبعة المصرية

[ عن أشعث بن أبي الشعثاء ، قال: حدثني معاوية بن سويد بن مقرن ، قال: دخلت على البراء بن عازب ، فسمعته يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع؛ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم (أو المقسم) ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم (أو عن تختم) بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي ، وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج ) ].

[ ص: 109 ]

التالي السابق


[ ص: 109 ] (الشرح)

(عن البراء بن عازب) رضي الله عنهما؛ (قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: بسبع، ونهانا: عن سبع. أمرنا بعيادة المريض). قال النووي : وهي سنة بالإجماع. وسواء فيه: من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي. واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما.

(واتباع الجنائز). قال: وهي سنة بالإجماع أيضا. وسواء فيه: من يعرفه، وقريبه، وغيرهما.

(وتشميت العاطس). وهو أن يقول له: "يرحمك الله". ويقال بالسين المهملة. لغتان مشهورتان. قال الأزهري: قال الليث: "التشميت": ذكر الله تعالى، على كل شيء. ومنه قوله للعاطس: "يرحمك الله". وقال ثعلب: يقال: سمت العاطس، وشمته إذا دعوت له بالهدى، وقصد السمت المستقيم. قال: والأصل فيه: [ ص: 110 ] السين المهملة، فقلبت شينا معجمة. وقال صاحب المحكم: "تسميت العاطس" معناه: هداك الله إلى السمت. قال: وذلك لما في العاطس من الانزعاج، والقلق. قال أبو عبيد، وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين. قال ابن الأنباري: يقال منه: شمته وسمت عليه: إذا دعوت له بخير. وكل داع بالخير: فهو مشمت. وتشميت العاطس: سنة على الكفاية، إذا فعل بعض الحاضرين. سقط الأمر عن الباقين. وشرطه: أن يسمع قول العاطس: "الحمد لله".

(وإبرار القسم، أو المقسم). هو سنة أيضا، مستحبة متأكدة. وإنما يندب إليه؛ إذا لم يكن فيه مفسدة، أو خوف ضرر، أو نحو ذلك. فإن كان شيء من هذا: لم يبر قسمه، كما ثبت أن أبا بكر، "رضي الله عنه"، لما عبر الرؤيا، بحضرة النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم، فقال له: "أصبت بعضا، وأخطأت بعضا". فقال: أقسمت [ ص: 111 ] عليك، يا رسول الله! لتخبرني. فقال: "لا تقسم". ولم يخبره.

(ونصر المظلوم). وهو من فروض الكفاية. وهو من جملة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وإنما يتوجه الأمر به: على من قدر عليه، ولم يخف ضررا.

(وإجابة الداعي). المراد به: الداعي إلى وليمة، ونحوها من الطعام.

(وإفشاء السلام). هو إشاعته، وإكثاره، وأن يبذله لكل مسلم . كما قال صلى الله عليه) وآله (وسلم، في الحديث الآخر: "وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف". وأما رد السلام، فهو فرض بالإجماع. فإن كان السلام على واحد: كان الرد فرض عين عليه. وإن كان على جماعة: كان فرض كفاية في حقهم؛ إذا رد أحدهم: سقط الحرج عن الباقين.

(ونهانا عن خواتيم - أو عن تختم - بالذهب). وهو حرام على الرجال، بالإجماع. ويؤيده حديث أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي. وحرم على ذكورها". رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه. وأخرجه أبو داود ، [ ص: 112 ] والحاكم وصححه.

وفيه: التنبيه بقليل الذهب، على النهي من الكثير منه. وفي حديث معاوية: "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا". رواه أحمد، وأبو داود في الخاتم، والنسائي في الزينة، بإسناد رجاله ثقات، إلا ميمون القتاد. وهو مقبول، وقد وثقه ابن حبان. وفيه: النهي عن لبس الذهب إلا مقطعا.

[ ص: 113 ] قال في النيل: ولا بد فيه من تقييد القطع: بالقدر المعفو عنه، لا بما فوقه. جمعا بين الأحاديث. قال ابن رسلان "في شرح سنن أبي داود": المراد بالنهي: الذهب الكثير، لا المقطع قطعا يسيرة منه، تجعل حلقة أو قرطا أو خاتما للنساء، أو في سيف الرجل. وكره الكثير منه، الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر. وقد يضبط الكثير منه: بما كان نصابا، تجب فيه الزكاة. واليسير: بما لا تجب فيه. انتهى.

وقد ذكر مثل هذا الكلام: الخطابي في "المعالم". وجعل هذا الاستثناء خاصا بالنساء. قال: لأن جنس الذهب، ليس بمحرم عليهن، كما حرم على الرجال: قليله وكثيره.

(وعن شرب بالفضة). أي: في أوانيها. ويوضحه حديث حذيفة، عند البخاري ، بلفظ: (نهانا النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه).

[ ص: 114 ] (وعن المياثر). جمع "ميثرة". بكسر الميم. وقد اختلف في تفسيرها على أربعة أقوال؛ منها: التفسير المروي عن علي، عليه السلام: "المياثر": شيء كانت تصنعه النساء لبعولتهن على الرحل، كالقطائف من الأرجوان). رواه مسلم ، والنسائي. قال في النيل: والأخذ به -أي بهذا التفسير - أولى. وقد اتفق الشيخان على: النهي عن المياثر، من حديث البراء. وأخرج الجماعة كلهم - إلا البخاري - حديث علي؛ بلفظ: "نهى عن خاتم الذهب، وممن لبس القسي، وعن الميثرة". وفي رواية: "مياثر الأرجوان". ولم يذكر الجلوس، إلا في رواية مسلم . وقد تقدم الكلام على المياثر مبسوطا.

(وعن القسي). سبق شرحه. وهو بفتح القاف وكسر السين المشددة، على الصحيح، وهي ثياب مضلعة بالحرير، تعمل بالقس، موضع من بلاد مصر.

(وعن لبس الحرير). أي: الإبريسم. (والإستبرق). وهو غليظ الديباج. (والديباج): هو معرب "الديبا". وهما حرامان؛ [ ص: 115 ] لأنهما من الحرير.

وهذا الحديث: من نفائس الأحاديث، لجمعه أحكاما كثيرة، يطول شرحها.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث