الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يقال عند الخروج من الخلاء

جزء التالي صفحة
السابق

فإذا خرج قال : غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ، فإن كان في الفضاء أبعد واستتر ، وارتاد مكانا رخوا ، ولا يبول في شق ، ولا سرب ، ولا طريق ، ولا ظل نافع ، ولا تحت شجرة مثمرة .

التالي السابق


( فإذا خرج قال : غفرانك ) وهو منصوب على المفعولية أي : أسألك غفرانك ، مأخوذ من الغفر ، وهو الستر ، [ ص: 82 ] وسره أنه لما خلص من النجو المثقل للبدن ، سأل الخلاص مما يثقل القلب ، وهو الذنب ، لتكمل الراحة ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) لما روى أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك ، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ، وعافاني رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم ، وقد ضعفه الأكثر ، وفي " مصنف " عبد الرزاق : أن نوحا عليه السلام كان يقول إذا خرج من الخلاء : الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى في منفعته ، وأذهب عني أذاه .

مسائل : يستحب له تغطية رأسه ، ولا يرفعه ، ولا بصره إلى السماء ، ولا يبصق على بوله ، لأنه يورث الوسواس ، وأن ينتعل ، ويتنحنح ، زاد بعضهم : ويمشي خطوات ، قال الشيخ تقي الدين : هذا بدعة ( فإن كان في الفضاء ) هو ما اتسع من الأرض ( أبعد ) لما روى جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود ، وصرح السامري باستحباب ذلك ( واستتر ) بما أمكنه من حائش نخل ، أو كثيب رمل ، لما روى عبد الله بن جعفر قال : كان أحب ما استتر به النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته هدف ، أو حائش نخل رواه مسلم ، وفسر بأنه جماعة النخل لا واحد له من لفظه ، ولأن ذلك جهده في ستر العورة المأمور بها ، وذكر السامري أنه ينبغي ذلك ( وارتاد ) أي : طلب ( مكانا رخوا ) يجوز فيه فتح الراء وكسرها ، ومعناه : لينا هشا أو عال ، أو يلصق ذكره بالأرض الصلبة ، لما روى أبو موسى قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فأراد أن يبول ، فأتى [ ص: 83 ] دمثا في أصل جدار ، فبال ، ثم قال : إذا بال أحدكم فليرتد لبوله رواه أحمد ، وأبو داود ، ولأنه يأمن بذلك من رشاش البول .

( ولا يبول في شق ) بفتح الشين ، واحد الشقوق ( ولا سرب ) بفتح السين والراء ، عبارة عن الثقب ، وهو ما يتخذه الدبيب ، والهوام بيتا في الأرض ، لما روى قتادة ، عن عبد الله بن سرجس قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الجحر ، قالوا لقتادة : ما يكره من البول في الجحر ؛ قال : يقال : إنها مساكن الجن رواه أحمد ، وأبو داود ، وقد روي أن سعد بن عبادة بال بجحر بالشام ، ثم استلقى ميتا ، فسمع من بئر المدينة قائل يقول :


نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده     ورميناه بسهميـ
ـن فلم نخط فؤاده

فحفظوا ذلك ، فوجدوه في اليوم الذي مات فيه سعد ، ولأنه يخاف أن يخرج ببوله دابة تؤذيه ، أو ترده عليه فتنجسه ، والمراد بهذا النهي الكراهة ، صرح به في " الفروع " كمورد ماء ، وفم بالوعة ، وكذا يكره على نار - لأنه يورث السقم - ورماد ، قاله في " الرعاية " ، ومثله على قرع ، وهو الموضع المتجرد من النبت بين بقايا منه ( ولا طريق ) ، وقيده ابن تميم بأن يكون مأتيا ، والأشهر [ ص: 84 ] عدمه ، ( ولا ظل نافع ) لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اتقوا اللاعنين ، قالوا : وما اللاعنان ؛ قال : الذي يتخلى في طرق الناس ، أو في ظلهم رواه مسلم . ففي إضافة الظل إليهم دليل على أن المراد المنتفع به ، ولم يقيده في " المستوعب " ، والأصح ما ذكرنا ( ولا تحت شجرة مثمرة ) ، وهي التي أثمرت ، أو قرب ثمرها ، لأنه يفسد على الناس ثمرهم ، أو تعافها النفس ، فأما إذا لم تكن مثمرة ، أو ليس وقت ثمر جاز إن لم يكن ظلا نافعا ، لأن أثرها يزول بالأمطار ، وغيرها ، إلى مجيء الثمر ، ذكره في " شرح العمدة " ، ودل كلامه أن الغائط أشد من البول لغلاظته ، ولا يطهر بصب الماء عليه .

تذنيب : لا يبول في راكد ، نص عليه ، وإن بلغ حدا لا يمكن نزحه ، وأطلق البغدادي تحريمه فيه ، ولا يجوز أن يتغوط في جار لبقاء أثره ، وقد صرح به ابن تميم قال في " الشرح " : فأما البول فيه فلا بأس به إذا كان كثيرا ، وظاهر كلام غيره الجواز مطلقا . ولا يبول في موضع الوضوء ، أو الغسل ، نص عليه ، للنهي عنه : فإن بال وصب عليه الماء ، وكان مما لا يقف عليه ، فلا كراهة ، وفي " المغني " روايتان ، والمنصوص أنه يجوز في إناء بلا حاجة ، وقدم في " الرعاية " أنه يكره من غير حاجة ، ولا يبول على ما له حرمة ، ولا على ما نهي عن الاستجمار به لحرمته ، وفي " النهاية " يكره على الطعام ، كعلف دابة ، قال في " الفروع " وهو سهو .

[ ص: 85 ] فرع : يكره أن يتوضأ على موضع بوله ، أو يستنجي عليه ، لئلا يتنجس به ، فلو كان في الأبنية المتخذة لذلك ، فلا ينتقل عنها للمشقة ، أو كان بالحجر لم يكره ، لأنه لو انتقل لنضح بالنجاسة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث