الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم

جزء التالي صفحة
السابق

والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما

[ ص: 56 ] والمحصنات : القراءة بفتح الصاد ، وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ بكسر الصاد ، وهن ذوات الأزواج . لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج . فهن محصنات ومحصنات إلا ما ملكت أيمانكم يريد : ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين وإن كن محصنات ، وفي معناه قول الفرزدق [من الطويل] :


وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق



كتاب الله عليكم مصدر مؤكد ، أي : كتب الله ذلك عليكم كتابا وفرضه فرضا ، وهو تحريم ما حرم . فإن قلت : علام عطف قوله : وأحل لكم ؟ قلت : على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله أي : كتب الله عليكم تحريم ذلك ، وأحل لكم ما وراء ذلكم ، ويدل عليه قراءة اليماني : "كتب الله عليكم" ، "وأحل لكم" ، وروي عن اليماني : "كتب الله عليكم" ، على الجمع والرفع أي : هذه فرائض الله عليكم ، ومن قرأ : "وأحل لكم" ، على البناء للمفعول ، فقد عطفه على حرمت . أن تبتغوا مفعول له بمعنى بين لكم ما يحل مما يحرم ، إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياما في حال كونكم محصنين غير مسافحين لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين ، والإحصان : العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، والأموال : المهور وما يخرج في المناكح . فإن قلت : أين مفعول "تبتغوا"؟ قلت : يجوز أن يكون مقدرا وهو النساء ، والأجود ألا يقدر ، وكأنه قيل : أن تخرجوا أموالكم ، ويجوز أن يكون أن تبتغوا بدلا من وراء ذلكم : والمسافح الزاني ، من السفح وهو صب المني ، وكان الفاجر يقول للفاجرة : سافحيني وماذيني من المذي فما استمتعتم به منهن فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهن فآتوهن أجورهن عليه ، فأسقط الراجع إلى "ما" لأنه لا يلبس ، كقوله : إن ذلك من عزم الأمور [لقمان : 17] بإسقاط منه ، ويجوز أن تكون "ما" في معنى النساء ، و "من" للتبعيض أو البيان ، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في "به" ، وعلى المعنى في فآتوهن : و أجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع فريضة : حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد . أي : فرض ذلك فريضة فيما تراضيتم به من بعد الفريضة : فيما تحط [ ص: 57 ] عنه من المهر ، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره ، وقيل : فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل : نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نسخت ، كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غير ذلك ، ويقضي منها وطره ثم يسرحها . سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها ، وعن عمر : لا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباحها ، ثم أصبح يقول : "يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ، ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" ، وقيل : أبيح مرتين وحرم مرتين ، وعن ابن عباس : هي محكمة ، يعني لم تنسخ ، وكان يقرأ : "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال : اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة ، وقولي في الصرف.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث