الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا

ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به

يجوز أن تكون الواو اعتراضية ، فهو اعتراض بين المتعاطفين . وهما قوله فإمساك [ ص: 408 ] وقوله فإن طلقها ويجوز أن تكون معطوفة على أو تسريح بإحسان لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضا عن الطلاق ، وهذه مناسبة مجيء هذا الاعتراض ، وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة ، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به ، فالزوج يقف عن أخذ المال : وولي الأمر يحكم بعدم لزومه ، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهى ، وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين ، وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك ، وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله وارزقوهم فيها وإليه أشار صاحب الكشاف ، وقال ابن عطية ، والقرطبي ، وصاحب الكشاف : الخطاب في قوله ولا يحل لكم للأزواج بقرينة قوله أن تأخذوا وقوله آتيتموهن والخطاب في قوله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله للحكام ، لأنه لو كان للأزواج لقيل : فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما ، قال في الكشاف : ونحو ذلك غير عزيز في القرآن اهـ يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في الكشاف بقوله تعالى في سورة الصف وبشر المؤمنين على رأي صاحب الكشاف ، إذ جعله معطوفا على تؤمنون بالله ورسوله إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفا على الخطابات العامة للأمة ، وإن كان التبشير خاصا به الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا يتأتى إلا منه . وأظهر من تنظير صاحب الكشف أن تنظره بقوله تعالى ، فيما يأتي : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن إذ خوطب فيه المطلق والعاضل ، وهما متغايران .

والضمير المؤنث في آتيتموهن راجع إلى المطلقات ، المفهوم من قوله الطلاق مرتان لأن الجنس يقتضي عددا من المطلقين والمطلقات ، وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله أن تأخذوا . وقوله مما آتيتموهن بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء ، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنه صاحب الكشاف وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع ، فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحاكم فبطل هذا الوجه ، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به ، واستعمال الحل والحرمة ، في هذا المعنى وضده ، قديم في العربية ، قال عنترة :


يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت علي وليتها لم تحرم

[ ص: 409 ] وقال كعب :


إذا يساور قرنـا لا يحـل لـه     أن يترك القرن إلا وهو مجدول

وجيء بقوله شيئا لأنه من النكرات ، المتوغلة في الإبهام ، تحذيرا من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال : مالا أو نحوه ، وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة " شيء " التي أشار إليها الشيخ في دلائل الإعجاز . وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع .

وقوله إلا أن يخافا قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة ، فالفعل مسند للفاعل ، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا وكذلك ضمير يخافا ألا يقيما وضمير فلا جناح عليهما ، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما . وقرأ حمزة ، وأبو جعفر ، ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين ; والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين ; والتقدير : إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود الله .

والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن . ويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه ، وامتثال أوامره كقوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وترادفه الخشية ، لأن عدم إقامة حدود الله مما يخافه المؤمن ، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى فلا تخافوهم .

وقال الشاعر يهجو رجلا من فقعس أكل كلبه واسمه حبتر :


يا حبتر لم أكلته لـمـه     لو خافك الله عليه حرمه

وخرج ابن جني في شرح الحماسة ، عليه قول الأحوص فيها ، على أحد تأويلين :


فإذا تزول تزول على متخمط     تخشى بوادره على الأقران

وحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية .

وقد قال بعض المفسرين : إن الخوف هنا بمعنى الظن ، يريد ظن المكروه ; إذ الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي . وإقامة حدود الله فسرها مالك رحمه الله : بأنها حقوق الزوج وطاعته والبر به ، فإذا أضاعت المرأة ذلك فقد خالفت حدود الله .

[ ص: 410 ] وقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به رفع الإثم عليهما ، ويدل على أن باذل الحرام لآخذه مشارك له في الإثم ، وفي حديث ربا الفضل الآخذ والمعطي في ذلك سواء ، وضمير افتدت به لجنس المخالعة ، وقد تمحض المقام لأن يعاد الضمير إليها خاصة ; لأن دفع المال منها فقط . وظاهر عموم قوله فيما افتدت به أنه يجوز حينئذ الخلع بما زاد على المهر وسيأتي الخلاف فيه .

ولم يختلف علماء الأمة أن المراد بالآية أخذ العوض على الفراق ، وإنما اختلفوا في هذا الفراق هل هو طلاق أو فسخ ، فذهب الجمهور إلى أنه طلاق ولا يكون إلا بائنا ; إذ لو لم يكن بائنا لما ظهرت الفائدة في بذل العوض ، وبه قال عثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، والحسن ، وعطاء ، وابن المسيب ، والزهري ، ومالك ، وأبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، ومكحول . وذهب فريق إلى أنه فسخ ، وعليه ابن عباس ، وطاوس ، وعكرمة ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وكل من قال : إن الخلع لا يكون إلا بحكم الحاكم . واختلف قول الشافعي في ذلك ، فقال مرة هو طلاق ; وقال مرة ليس بطلاق ، وبعضهم يحكي عن الشافعي أن الخلع ليس بطلاق ، إلا أن ينوي بالمخالعة الطلاق ، والصواب أنه طلاق لتقرر عصمة صحيحة ، فإن أرادوا بالفسخ ما فيه من إبطال العصمة الأولى فما الطلاق كله إلا راجعا إلى الفسوخ ، وتظهر فائدة هذا الخلاف في الخلع الواقع بينهما . بعد أن طلق الرجل طلقتين ، فعند الجمهور طلقة الخلع ثالثة فلا تحل لمخالعها إلا بعد زوج ، وعند ابن عباس ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، ومن وافقهم : لا تعد طلقة ، ولهما أن يعقدا نكاحا مستأنفا .

وقد تمسك بهذه الآية سعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين ، وزياد بن أبي سفيان ، فقالوا : لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله . والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم ، لأن الخطاب ليس صريحا للحكام وقد صح عن عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم .

والجمهور أيضا على جواز أخذ العوض على الطلاق ، إن طابت به نفس المرأة ، ولم يكن عن إضرار بها . وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه ، فقال مالك : إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق ، ويرد عليها مالها . وقال أبو حنيفة : هو ماض ولكنه يأثم [ ص: 411 ] بناء على أصله في النهي ، إذا كان الخارج عن ماهية المنهي عنه . وقال الزهري ، والنخعي ، وداود : لا يجوز إلا عند النشوز والشقاق . والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها ، فإن الله أكد هذا الحكم إذ قال إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع ، وأكده بقوله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح ، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها ثم بالوعيد بقوله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت أو أخت عبد الله بن أبي ابن سلول ، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس ; إذ قالت له يا رسول الله لا أنا ولا ثابت . أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء ، والله ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبيء صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته التي أصدقك قالت نعم وأزيده زاد في رواية قال : أما الزائد فلا ، وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع ، ألا يرى قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا هكذا أجاب المالكية ، كما في أحكام ابن العربي ، وتفسير القرطبي . وعندي أنه جواب باطل ، ومتمسك بلا طائل ، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا ، فهو تعسف ، وصرف للكلام عن وجهه ، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فهذا نكرة في سياق النفي ، أي لا يحل أخذ أقل شيء ، وقوله إلا أن يخافا ففيه منطوق ومفهوم ، وقوله فإن خفتم ففيه كذلك ، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة ، والحال ، والغاية ، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز ، كالاستثناء ، والشرط . وأما الاحتجاج للجواز بقوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق ، فإن ضمير منه عائد إلى الصدقات ، لأن أول الآية وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة ، مما يزيد الألفة ، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح .

[ ص: 412 ] واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق ، فقال طاوس ، وعطاء والأوزاعي وإسحاق ، وأحمد : لا يجوز أخذ الزائد ، لأن الله تعالى خصه هنا بقوله : مما آتيتموهن واحتجوا بأن النبيء صلى الله عليه وسلم قال لجميلة ، لما قالت له : أرد عليه حديقته وأزيده أما الزائد فلا ، أخرجه الدارقطني عن ابن جريج . وقال الجمهور : يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري : أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار ، تزوجها على حديقة ، فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها أتردين عليه حديقته ويطلقك قالت : نعم وأزيده ، فقال لها ردي عليه حديقته وزيديه وبأن جميلة لما قالت له : وأزيده لم ينكر عليها . وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه ، ولم يصح عنده ما روي : أما الزائد فلا ، والحق أن الآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق ، وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة في مبدأ المعاشرة ، دفعا للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة ; لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر .

فقوله : مما آتيتموهن ، ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة ، لكن الجمهور تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج ، وأنه لا يبطل عموم قوله فيما افتدت وقد أشار مالك بقوله : ليس من مكارم الأخلاق ، إلى أنه لا يراه موجبا للفساد والنهي ; لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي ، بل هو آيل إلى التحسينات ، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة : فالجمهور على أنها محكمة ، وقال فريق : منسوخة بقوله تعالى ، في سورة النساء وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ونسبه القرطبي لبكر بن عبد الله المزني ، وهو قول شاذ ، ومورد آية النساء في الرجل يريد فراق امرأته ، فيحرم عليه أن يفارقها ، ثم يزيد فيأخذ منها مالا ، بخلاف آية البقرة فهي في إرادة المرأة فراق زوجها عن كراهية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث