الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الدواء الذي يستجلب به الخوف

اعلم أن من قعد بعد القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم وينسب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين ، فلا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى ؛ لأنهم الأنبياء والأولياء والعلماء ، وأما الآمنون فهم الفراعنة والجهال والأغبياء ، أما رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فهو سيد الأولين والآخرين وكان أشد الناس خوفا ، حتى روي أنه سمع قائلا يقول لطفل مات : " هنيئا لك ، عصفور من عصافير الجنة " فغضب وقال : "ما يدريك أنه كذلك ، والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي ، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم " وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك أيضا على جنازة " عثمان بن مظعون " وكان من المهاجرين الأولين لما قالت " أم سلمة " : "هنيئا لك الجنة " فكانت تقول " أم سلمة " بعد ذلك : "والله لا أزكي أحدا بعد عثمان " وروي في حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه : "هنيئا لك ، هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتلت في [ ص: 292 ] سبيل الله " فقال - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره " وفي حديث آخر أنه دخل - صلى الله عليه وسلم - على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول : "هنيئا لك الجنة " فقال - صلى الله عليه وسلم - : "من هذه المتألية على الله - تعالى - وما يدريك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه " وكيف لا يخاف المؤمنون كلهم وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول : "شيبتني هود وأخواتها : سورة الواقعة ، وإذا الشمس كورت ، وعم يتساءلون " فقال العلماء : "لعل ذلك لما في سورة هود من الإبعاد كقوله - تعالى - : ( ألا بعدا لعاد قوم هود ) [ هود : 60 ] ( ألا بعدا لثمود ) [ هود : 68 ] ( ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) [ هود : 95 ] مع علمه - صلى الله عليه وسلم - بأنه لو شاء الله ما أشركوا إذ لو شاء لآتى كل نفس هداها ، وفي سورة الواقعة [ 2 و 3 ] ( ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة ) أي جف القلم بما هو كائن وتمت السابقة حتى نزلت الواقعة إما خافضة قوما كانوا مرفوعين في الدنيا ، وإما رافعة قوما كانوا مخفوضين في الدنيا .

وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة وانكشاف الخاتمة وهو قوله - تعالى - : ( وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت ) [ التكوير : 12 - 14 ] وفي عم يتساءلون : ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) [ النبأ : 40 ] الآية ، وقوله - تعالى - : ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) [ النبأ : 38 ] .

والقرآن من أوله إلى آخره مخاوف لمن قرأه بتدبر ولو لم يكن فيه إلا قوله - تعالى - : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) [ طه : 82 ] لكان كافيا ، إذ علق المغفرة على أربعة شروط يعجز العبد عن آحادها ، وأشد منه قوله - تعالى - : ( فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ) [ القصص : 67 ] وقوله - تعالى - : ( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) [ الأحزاب : 8 ] وقوله - تعالى - : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) [ الرحمن : 31 ] وقوله - تعالى - : ( أفأمنوا مكر الله ) [ الأعراف : 99 ] الآية ، وقوله ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [ هود : 102 ] وقوله : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) [ الزلزلة : 7 ] الآيتين ، وكذلك قوله - تعالى - : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) [ العصر : 1 و 2 ] إلى آخر السورة . فهذه أربعة شروط للخلاص من الخسران ، وإنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم ؛ لأنهم لم يأمنوا مكر الله - تعالى - : ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [ الأعراف : 99 ] وخوف الكاملين لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله - تعالى - وخفايا أفعاله ومعاني صفاته ، فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من الأمن ، وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ؟ وإن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها ؛ وقد قال " معاذ بن جبل " - رضي الله عنه - : "إن المؤمن لا يسكن روعه حتى [ ص: 293 ] يترك جسر جهنم وراءه " وروي عن مخاوف الأنبياء والصحابة والتابعين ومن بعدهم ما لا يحصى ، ونحن أجدر بالخوف منهم ولكن صدتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا ، فلا قرب الرحيل ينبهنا ، ولا كثرة الذنوب تحركنا ، ولا خطر الخاتمة يزعجنا .

ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ونجتهد في طلب أرزاقنا ، ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا : "اللهم اغفر لنا وارحمنا " . والذي إليه رجاؤنا - جل جلاله - يقول : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) [ النجم : 39 ] ( ولا يغرنكم بالله الغرور ) [ لقمان : 33 وفاطر : 5 ] ( ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) [ الانفطار : 6 ] ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا عن أودية غرورنا وأمانينا ، فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها . فنسأل الله - تعالى - أن يتوب علينا بمنه وفضله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث