الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 5 ] وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون رجوع إلى قصة أصحاب القرية بعد أن انقطع الحديث عنهم بذكر الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ناصحا لهم وكان هذا الرجوع بمناسبة أن القوم قوم ذلك الرجل .

فجملة وما أنزلنا على قومه إلخ عطف على جملة قيل ادخل الجنة فهي مستأنفة أيضا استئنافا بيانيا لأن السامع يتشوف إلى معرفة ما كان من هذا الرجل ومن أمر قومه الذين نصحهم فلم ينتصحوا فلما بين للسامع ما كان من أمره عطف عليه بيان ما كان من أمر القوم بعده .

وافتتاح قصة عقابهم في الدنيا بنفي صورة من صور الانتقام تمهيد للمقصود من أنهم ما حل بهم إلا مثل ما حل بأمثالهم من عذاب الاستئصال ، أي لم ننزل جنودا من السماء مخلوقة لقتال قومه ، أو لم ننزل جنودا من الملائكة من السماء لإهلاكهم ، وما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة من ملك واحد أهلكتهم جميعا .

و ( من ) في قوله من بعده مزيدة في الظرف لتأكيد اتصال المظروف بالظرف . وأصلها ( من ) الابتدائية ، وإضافة ( بعد ) إلى ضمير الرجل على تقدير مضاف شائع الحذف ، أي بعد موته كقوله تعالى إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي [ ص: 6 ] و ( من ) في قوله من جند مؤكدة لعموم جند في سياق النفي ، و ( من ) في قوله من السماء ابتدائية ، وفي الإتيان بحرف من ثلاث مرات مع اختلاف المعنى محسن الجناس .

وفي هذا تعريض بالمشركين من أهل مكة إذ قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي تأتي بالله الذي تدعي أنه أرسلك ومعه جنده من الملائكة ليثأر لك .

فجملة وما كنا منزلين معترضة بين نوعي العقاب المنفي والمثبت ، لقصد الرد على المشركين بأن سنة الله تعالى لم تجر بإنزال الجنود على المكذبين ، وشأن العاصين أدون من هذا الاهتمام .

والصيحة : المرة من الصياح ، بوزن فعلة ، فوصفها بواحدة تأكيد لمعنى الوحدة لئلا يتوهم أن المراد الجنس المفرد من بين الأجناس ، و ( صيحة ) منصوب على أنه خبر " كانت " بعد الاستثناء المفرغ ، ولحاق تاء التأنيث بالفعل مع نصب ( صيحة ) مشير إلى أن المستثنى منه المحذوف العقوبة أو الصيحة التي دلت عليها صيحة واحدة ، أي لم تكن العقوبة أو الصيحة إلا صيحة من صفتها أنها واحدة إلى آخره . وقرأ أبو جعفر برفع " صيحة " على أن كان تامة ، أي ما وقعت إلا صيحة واحدة .

ومجيء " إذا " الفجائية في الجملة المفرعة على إن كانت إلا صيحة واحدة لإفادة سرعة الخمود إليهم بتلك الصيحة .

وهذه الصيحة صاعقة كما قال تعالى حكاية عن ثمود فأخذتهم الصيحة .

والخمود : انطفاء النار ، استعير للموت بعد الحياة المليئة بالقوة والطغيان ، ليتضمن الكلام تشبيه حال حياتهم بشبوب النار وحال موتهم بخمود النار فحصل لذلك استعارتان إحداهما صريحة مصرحة ، وأخرى ضمنية مكنية ورمزها الأولى ، وهما الاستعارتان اللتان تضمنهما قول لبيد :


وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

[ ص: 7 ] وتقدم قوله تعالى حتى جعلناهم حصيدا خامدين في سورة الإسراء ، فكان هذا الإيجاز في الآية بديعا لحصول معنى بيت لبيد في ثلاث كلمات .

وهذا يشير إلى حدث عظيم حدث بأهل أنطاكية عقب دعوة المرسلين وهو كرامة لشهداء أتباع عيسى عليه السلام ، فإن كانت الصيحة صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كان الذين خمدوا بها جميع أهل القرية ، فلعلهم كانوا كفارا كلهم بعد موت الرجل الذي وعظهم وبعد مغادرة الرسل القرية . ولكن مثل هذا الحادث لم يذكر التاريخ حدوثه في أنطاكية ، فيجوز أن يهمل التاريخ بعض الحوادث وخاصة في أزمنة الاضطراب والفتنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث