الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في وصيته صلى الله عليه وسلم في القتال

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في وصيته صلى الله عليه وسلم في القتال

1617 حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا وقال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال أيتها أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى الإسلام والتحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين وإن أبوا أن يتحولوا فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم ما يجري على الأعراب ليس لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم وإذا حاصرت حصنا فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه واجعل لهم ذمتك وذمم أصحابك لأنكم إن تخفروا ذمتكم وذمم أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلوهم ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا أو نحو هذا قال أبو عيسى وفي الباب عن النعمان بن مقرن وحديث بريدة حديث حسن صحيح حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد عن سفيان عن علقمة بن مرثد نحوه بمعناه وزاد فيه فإن أبوا فخذ منهم الجزية فإن أبوا فاستعن بالله عليهم قال أبو عيسى هكذا رواه وكيع وغير واحد عن سفيان وروى غير محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي وذكر فيه أمر الجزية

التالي السابق


قوله : ( أوصاه في خاصة نفسه ) أي في حق نفسه خصوصا وهو متعلق بقوله ( بتقوى الله ) وهو متعلق بأوصاه ( ومن معه ) معطوف على خاصة نفسه أي وفي من معه ( من المسلمين ) بيان لمن ( خيرا ) منصوب بنزع الخافض أي بخير ، قال الطيبي : ومن في محل الجر ومن باب العطف على عاملين مختلفين ، كأنه قيل : أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه ، وأوصى بخير في من معه من المسلمين ، وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلى أن عليه أن [ ص: 201 ] يشد على نفسه فيها يأتي ويذر ، وأن يسهل على من معه من المسلمين ويرفق بهم كما ورد : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ( وقال اغزوا بسم الله ) أي مستعينين بذكره ( وفي سبيل الله ) أي لأجل مرضاته وإعلاء دينه ( قاتلوا من كفر بالله ) جملة موضحة لاغزوا ( ولا تغلوا ) من الغلول من باب نصر ينصر أي لا تخونوا في الغنيمة ( ولا تغدروا ) بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد وقيل : لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام ( ولا تمثلوا ) بضم المثلثة . قال النووي في تهذيبه : مثل به يمثل كقتل إذا قطع أطرافه . وفي القاموس : مثل بفلان مثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا . وفي الفائق إذا سودت وجهه أو قطعت أنفه ونحوه ( ولا تقتلوا وليدا ) أي طفلا صغيرا ( فإذا لقيت ) الخطاب لأمير الجيش ، قال الطيبي : هو من باب تلوين الخطاب خاطب أولا عاما فدخل فيه الأمير دخولا أوليا ثم خص الخطاب به فدخلوا فيه على سبيل التبعية كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء ( أو خلال ) شك من الراوي والخصال والخلال بكسرهما جمع الخصلة والخلة بفتحهما بمعنى واحد ( فأيتها أجابوك ) أي قبلوها منك ( وكف عنهم ) بضم الكاف وفتح الفاء المشددة ويجوز ضمها وكسرها أي امتنع عنهم ( ادعهم ) أي أولا ( والتحول ) أي الانتقال ( من دارهم ) أي من دار الكفر ( إلى دار المهاجرين ) أي إلى دار الإسلام ، وهذا من توابع الخصلة الأولى ، بل قيل إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة ( أنهم إن فعلوا ذلك ) أي التحول ( فإن لهم ما للمهاجرين ) أي الثواب واستحقاق مال الفيء ، وذلك الاستحقاق كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أي وقت أمرهم الإمام سواء كان من بإزاء العدو كافيا أو لا بخلاف غير المهاجرين فإنه لا يجب الخروج عليهم إلى الجهاد إن كان بإزاء العدو من به الكفاية ، وهذا معنى قوله : ( وعليهم ما على المهاجرين ) أي من الغزو ( وإن أبوا أن يتحولوا ) أي من دارهم ( كأعراب المسلمين ) أي الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر ( يجري عليهم ما يجري على الأعراب ) وفي رواية مسلم : يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين أي من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص والدية ونحوها ( إلا أن [ ص: 202 ] يجاهدوا ) أي مع المسلمين ( وإذا حاصرت حصنا ) وفي رواية مسلم " أهل حصن " ( فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ) أي عهدهما وأمانهما ( فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ) أي لا بالاجتماع ولا بالانفراد ( فإنكم إن تخفروا ) من الإخفار أي تنقضوا ( فلا تنزلوهم ) أي على حكم الله ( فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ) قال النووي : قوله ( فلا تجعل لهم ذمة الله ) نهي تنزيه فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش ، وكذا قوله : " فلا تنزلهم على حكم الله " نهي تنزيه ، وفيه حجة لمن يقول ليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله في نفس الأمر ، ومن يقول : إن كل مجتهد مصيب يقول معنى قوله ( فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم ) أن لا تأمن أن ينزل علي وحي بخلاف ما حكمت ، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد من تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة لقد حكمت فيهم بحكم الله ، وهذا المعنى منتف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كل مجتهد مصيبا انتهى .

قال القاري : وهو مذهب المعتزلة وبعض أهل السنة .

قوله : ( وفي الباب عن النعمان بن مقرن ) أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي في باب الساعة التي يستحب فيها القتال .

قوله : ( وحديث بريدة حديث حسن صحيح ) وأخرجه مسلم .

قوله : ( وزاد ) أي محمد بن بشار في روايته من طريق أبي أحمد ( فإن أبوا ) أي فإن امتنعوا عن الإسلام ( فخذ منهم الجزية ) استدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو غير كتابي ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الجزية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث