الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 135 ] قوله تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية: 31. ظاهره الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد للفعل الذي يتعلق بالمسجد، تعظيما للمسجد والفعل الواقع فيه، مثل الاعتكاف والصلاة والطواف، ولا يدل ظاهر ذلك على وجوب الستر في الصلاة في المسجد أو خارج المسجد، فإن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا.

وكثير من المتكلمين في أحكام القرآن زادوا في ذلك دلالة على الوجوب للصلاة، لأن الذي أمرنا بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد، وإنما كان للفعل الواقع في المسجد، والذي عظم المسجد لأجله الطواف والصلاة، أما الطواف فلا يعم كل مسجد، وفي القرآن عند كل مسجد، والاعتكاف لم يشرف المسجد لأجله بل كان عبادة لأجل المسجد، فلم يبق إلا الفعل الذي يشرف به المسجد، ووجب تعظيم المسجد لأجله وهو الصلاة.

فإذا قيل: خذوا زينتكم عند كل مسجد عرف به أنه لم يجب للمسجد، وإنما وجب لما عظم المسجد لأجله وهو الصلاة، فمتى وجب الستر للصلاة كان شرطا، إلا أن الدليل قام على الزيادة على قدر الستر، وأنها غير واجبة، فبقي مقدار الستر واجبا.

ومالك لا يوجب الستر شرطا للصلاة، ويقول: إن فقد الستر لا يبطل الصلاة، ويقول: قوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد ، روى الرواة أنه نزل في ستر الطواف والنهي عنه عريانا، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: عند كل مسجد ، والطواف يختص بمسجد معين. والثاني: أنه إن ورد على سبب خاص، لا يمتنع لأجله التعلق بعموم اللفظ.

[ ص: 136 ] ويرد على هذا، أن الذي ورد الستر فيه -لم يجعل الستر شرطا- وهو الطواف، فكيف يجعل شرطا لما سواه؟

ويجاب عنه بأن وجوب الستر لأجل الطواف ظاهر في كونه شرطا له، وأنه يمتنع الاعتداد به دونه، ولكن قام الدليل في الطواف على خلاف الظاهر، وبقي ما عداه على ما يقتضيه الأصل. وهذا يرد عليه، أن الأصل أن ما وجب لغيره يفهم منه أنه إذا أتى به دونه كان تاركا للواجب، فمن أين أنه لا تجب الصلاة، دونه؟ والذي احتج به مالك: أن ستر العورة لم يجب للصلاة، فقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال فقلت: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليا، فقال: الله أحق أن يستحى منه . فإذا لم يكن الستر من فروض الصلاة لم يكن وجوبها متعلقا بالصلاة، فإذا لم يتعلق بها لزم منه جواز الصلاة دونه، وهذا ينعكس في الطهارة التي لم يكن وجوبها إلا للصلاة. فعلى هذا، النهي عن الصلاة دون الستر، كالنهي عن الصلاة في البقعة المغصوبة. الجواب: إن الستر في غير الصلاة إنما يجب عند ظهوره للناس، فلو استخلى بنفسه، فيجوز أن يكشف فخذه، وإن كان في السوأتين خلاف، وإذا أراد الصلاة وجب ستر جميع ذلك، فذلك يدل على أن الستر وجب للصلاة. [ ص: 137 ] وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على فخذه منه شيء" . وعن عائشة أنها روت أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا يقبل الله صلاة امرأة إلا بخمار" . فنفى قبولها لمن بلغت الحيض، فصلتها مكشوفة الرأس، كما نفى قبولها مع عدم الطهارة بقوله: "لا يقبل الله الصلاة بغير طهور" .

وقد روي عن مالك أنه قال فيمن صلى في ثوب نجس أو عاريا : إنه يعيد ما دام الوقت، وهذا يتعلق به عليه، ويدل على بطلان قوله: أنه لا تعلق له بالصلاة. فهذا تمام هذا الكلام. وذكر إسماعيل بن إسحاق في نصرة قول مالك أن صلاة العريان جائزة، فلو كان الستر شرطا لما جاز، كما لا يجوز صلاة الحائض، لأن الحيض ينافي الطهارة. وهذا غلط فاحش، فإن صلاة الأمي جائزة مع أن القراءة شرط للصلاة أو فرضها، وأن منافاة الحيض للصلاة لا لمكان عدم الطهارة، فإن الحيض ينافي الصوم أيضا، وليس من شرطه الطهارة ولكنه محض تعبد.

ومما نعلق به أن الوضوء لما كان شرطا للصلاة وجب عليه أن ينوي الطهارة للصلاة، ولو كان الستر واجبا للصلاة، لوجب أن ينوي به الصلاة، وليس كالاستقبال، فإن الاستقبال الواجب يقترن بالصلاة بخلاف الستر، فنية الصلاة تشتمل على الاستقبال، وقد أجاب علماؤنا [ ص: 138 ] عنه بأن نية الصلاة تشتمل عليه، وهذا قررناه في مسائل الخلاف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث