الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الوقف على أواخر الكلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

26 - باب الوقف على أواخر الكلم


1 - والإسكان أصل الوقف وهو اشتقاقه من الوقف عن تحريك حرف تعزلا      2 - وعند أبي عمرو وكوفيهم به
من الروم والإشمام سمت تجملا      3 - وأكثر أعلام القرآن يراهما
لسائرهم أولى العلائق مطولا



الوقف في اللغة: هو الكف عن مطلق شيء، يقال: وقفت عن كذا إذا تركته وانتقلت عنه لغيره. وفي اصطلاح القراء: هو قطع الصوت على الكلمة زمنا يمكن التنفس فيه عادة بنية استثناء القراءة بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، لا بنية الإعراض [ ص: 174 ] عن القراءة. وأما القطع: فهو قطع الصوت على الكلمة بقصد الكف عن القراءة والانتقال عنها إلى أمر آخر، والوقف بهذا المعنى منقول من الوقف اللغوي، وفرد من أفراده، لأنه هنا وقف عن تحريك حرف بمعنى أنه ترك تحريكه.

والمعنى: أن إسكان الحرف الموقوف عليه هو الأصل في الوقف، وأما غيره من الروم والإشمام: ففرع عن الإسكان، ومعنى (تعزلا) أي: انعزل وتجرد عن الحركة كما يقال:

هذا جندي أعزل، بمعنى: أنه تجرد من السلاح. وقوله: (وعند أبي عمرو) إلخ يعني: وعند أبي عمرو والكوفيين في الوقف طريق جميل ومذهب حسن، أي ورد النص عنهم بذلك ويفهم من قوله: (والإسكان أصل الوقف) أن لهم الإسكان أيضا عند الوقف.

وقوله: (وأكثر أعلام القرآن) إلخ، معناه: أن أكثر مشاهير النقلة الملازمين للقرآن المتصدين لتعليمه وإقرائه الذين هم كالأعلام في الاهتداء بهم، وهم أهل الأداء يرون الروم والإشمام لجميع القراء أحق ما يتوجه إليه الإنسان، ويرتبط به، ويهتم بشأنه، والمقصود أن أكثر أهل الأداء يأخذون بالروم والإشمام لباقي القراء، وهم: نافع، وابن كثير، وابن عامر اختيارا واستحبابا، وإن لم يرد عنهم نص بذلك. وهذا معنى قول الداني في التيسير: والباقون، أي: غير أبي عمرو، والكوفيين، لم يرد عنهم في ذلك شيء، واستحب أكثر شيوخنا من أهل الأداء أن يوقف عندهم بالروم والإشمام أيضا، وفهم من قوله: (وأكثر) أن غير الأكثر من أهل الأداء يقصر الأخذ بالروم والإشمام على من ورد عنهم النص والرواية بهما انتهى.

و(المطول) بكسر الميم وسكون الطاء وفتح الواو: الحبل، ويكنى به عن السبب الموصل إلى المطلوب، فكأنه قال: هو أحق الأسباب سببا.


4 - ورومك إسماع المحرك واقفا     بصوت خفي كل دان تنولا



حقيقة الروم: أن تسمع كل قريب منك مصغ إلى قراءتك حركة الحرف المحرك في الوصل بصوت خفي حال كونك واقفا على هذا الحرف، وهذا معنى قول صاحب التيسير: (هو تضعيفك الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فتسمع لها صوتا خفيا يدركه الأعمى بحاسة سمعه)، وقال السخاوي: هو الإشارة إلى الحركة مع [ ص: 175 ] صوت خفي، و(تنول) مضارع نول، يقال: نولته فتنول أي أعطيته فأخذ.

قال العلامة أبو شامة: وفي ذلك أي في قوله: (تنولا) إشارة إلى قصد السماع أي: كل دان سامع منصت لقراءتك فهو المدرك لذلك بخلاف غيره من غافل أو أصم، انتهى.

ولا يحكم الروم ويضبطه إلا التلقي والأخذ من أفواه الشيوخ المهرة المتقنين.


5 - والاشمام إطباق الشفاه بعيد ما     يسكن لا صوت هناك فيصحلا



حقيقة الإشمام أن تطبق شفتيك عقب تسكين الحرف، بأن تجعل شفتيك على صورتهما إذا نطقت بالحرف المضموم، ولا يدرك ذلك إلا بالعين فلا يدركه الأعمى.

والمقصود منه: الإشارة إلى أن ذلك الحرف الساكن للوقف حركته الضم.

قال الإمام الداني في التيسير: الإشمام ضمك شفتيك بعد سكون الحرف أصلا، ولا يدرك معرفة ذلك الأعمى، لأنه لرؤية العين لا غير، إذ هو إيماء بالعضو إلى الحركة، انتهى.

وقال السخاوي: هو الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، ولذلك قال: (لا صوت هناك فيصحلا). يقال: (صحل) بكسر الحاء يصحل بفتحها: إذا صار في صدره بحة تحول بينه وبين رفع صوته، أي: ليس هناك صوت ما عند الإشمام حتى يكون ضعيفا يسمع، فالمقصود: نفي وجود الصوت بالكلية، فكأنه يقول: ليس هناك صوت ما، ولا ضعيف، وفي هذا إشارة إلى الفرق بين الإشمام والروم، فإن الروم معه صوت ضعيف، والإشمام عار منه، لأنه ضم الشفتين بعد حذف كل حركة المتحرك. وقول الناظم: (إطباق الشفاه) جمع شفة، ولكل إنسان شفتان اثنتان فجمع الناظم بالنظر لتعدد القراء. وقوله: (بعيد) بالتصغير لإفادة اتصال ضم الشفتين بالإسكان، فلو تراخى، فإسكان مجرد.

قال بعض المحققين: وفائدة الروم والإشمام: بيان الحركة الأصلية التي تثبت في الوصل للحرف الموقوف عليه ليظهر للسامع أو للناظر كيف تلك الحركة، ولذا يستحسن الوقف بهما إذا كان بحضرة القارئ من يسمع قراءته، أما إذا قرأ في خلوة فلا داعي إلى الوقف بهما انتهى.


6 - وفعلهما في الضم والرفع وارد     ورومك عند الكسر والجر وصلا


[ ص: 176 ] 7 - ولم يره في الفتح والنصب قارئ     وعند إمام النحو في الكل أعملا



بين في البيت الأول مواضع الروم والإشمام فأفاد: أن فعلهما وارد في الضم والرفع، وأن الروم وصل ونقل إلينا في الكسر، والجر، وبين في البيت الثاني أنه لم ير الروم في الفتح والنصب أحد من القراء، وأن الروم أعمل ودخل في الحركات الثلاث الضم والكسر والفتح عند إمام النحو وهو سيبويه، أو المراد أئمة النحو، فالمراد من إمام النحو الجنس. والضمير في (أعملا) للروم فقط، فالألف فيه للإطلاق، وليست للتثنية، فالمضموم محل للإشمام والروم، والمكسور محل للروم فقط، فإذا وقف على الحرف المتحرك فإن كان مضموما أو مرفوعا ففيه مع الإسكان المجرد الإشمام والروم، وإن كان مكسورا أو مجرورا ففيه مع الإسكان المجرد الروم، وإن كان مفتوحا أو منصوبا فليس فيه عند جميع القراء إلا الإسكان المجرد.


8 - وما نوع التحريك إلا للازم     بناء وإعراب غدا متنقلا



هذا اعتذار من الناظم عن ذكره ستة أسماء للحركات وهي ثلاث فقط، فكأنه قال:

ما نوعت التحريك وقسمته هذه الأقسام إلا لأنص على ألقاب البناء، وهي: الضم، والفتح، والكسر وعلى ألقاب الإعراب، وهي: الرفع، والنصب، والجر، أو الخفض، ليعلم أن حكمهما واحد في دخول الروم والإشمام، وفي المنع منهما، أو من أحدهما، ولو اقتصرت على ذكر ألقاب أحدهما لتوهم أن الآخر غير داخل في ذلك، وأنه حكم خاص بالمنصوص عليه.

وصفوة القول: أن الناظم عبر بما ذكر لينص على شمول الحكم لكل من ألقاب البناء وألقاب الإعراب، ولم يذكر الجزم والسكون وهما من ألقاب الإعراب لعدم تعلقها بهذا الباب إذ لا يدخلهما روم ولا إشمام، وحركة البناء توصف باللزوم، لأنها لا تتغير ما دام اللفظ بحاله.

فلهذا قال الناظم: (للازم بناء) أي ما نوعته إلا لأجل أنه منقسم إلى لازم البناء، وإلى ذي إعراب، صار بذلك متنقلا من رفع إلى نصب إلى جر باعتبار ما تقتضيه العوامل المسلطة عليه، فألقاب البناء ضم نحو: ومن حيث ، من قبل ، ومن بعد . وفتح نحو: أين، أنت، ومن عاد ، لا حجة بيننا ، وكسر نحو: هؤلاء، وحركات الإعراب رفع نحو: وقال رجل مؤمن ، ونصب نحو: أتقتلون رجلا [ ص: 177 ] وجر نحو: على رجل من القريتين عظيم ، وقول الناظم: (بناء) نصبت على التمييز. وقوله: (وإعراب) بالجر عطف على (لازم) بتقدير مضاف، كما تقدم في التقدير. وجملة (غدا متنقلا) صفة لإعراب.


9 - وفي هاء تأنيث وميم الجميع قل     وعارض شكل لم يكونا ليدخلا



لا يدخل الروم ولا الإشمام في المواضع الثلاثة حيث وقعت:

الموضع الأول: هاء التأنيث، وهي التي تكون في الوصل تاء ويوقف عليها بالهاء نحو:

فبما رحمة ، وتلك نعمة ، أن غير ذات الشوكة ، وقولنا: (ويوقف عليها بالهاء)، احترازا من تاء التأنيث التي رسمت في المصحف بالتاء المفتوحة ويوقف عليها بالتاء، فإنها يدخلها الروم والإشمام إن كانت مرفوعة نحو: رحمت الله وبركاته ، ورحمت ربك خير . والروم فقط إن كانت مجرورة نحو: فانظر إلى آثار رحمت الله ، ومعصيت الرسول ، وهذا عند من يقف عليها بالتاء، وأما من يقف عليها بالهاء فلا يدخلها الروم والإشمام عنده.

الموضع الثاني: (ميم الجمع) عند من يصلها بواو وصلا فلا يدخلها الروم والإشمام أيضا، وأما من يقرؤها بالسكون وصلا ووقفا فلا يتأتى فيها دخول الروم والإشمام عنده.

الموضع الثالث: (عارض الشكل) أي: الحركة العارضة، سواء كان عروضها للنقل نحو: قل أوحي ، من إستبرق عند من ينقل حركة الهمزة إلى ما قبلها، أو للتخلص من التقاء الساكنين نحو: قل اللهم ، لم يكن الذين كفروا ، ولا تنسوا الفضل بينكم ، وعصوا الرسول ، فلينظر الإنسان ، فعند الوقف على (قل، يكن، تنسوا، وعصوا، فلينظر): لا يصح إلا السكون المحض.

ويمتنع دخول الروم والإشمام في كل ما ذكر وأمثاله. ومنه (يومئذ، وحينئذ)، بخلاف (غواش)، و(الجوار)، وكل، فيدخل الإشمام والروم في المرفوع منها، ويدخل الروم في المجرور منها.


10 - وفي الهاء للإضمار قوم أبوهما     ومن قبله ضم أو الكسر مثلا


[ ص: 178 ] 11 - أو اماهما واو وياء وبعضهم     يرى لهما في كل حال محللا



هاء الضمير بالنظر إلى ما قبلها سبعة أنواع:

الأول: أن يكون قبلها ضم نحو: فإن الله يعلمه ، آثم قلبه .

الثاني: أن يكون قبلها أم الضم وهي الواو الساكنة، سواء كانت مدية نحو: وما قتلوه وما صلبوه ، أحصاه الله ونسوه ، أم كانت لينة نحو: وشروه .

الثالث: أن يكون قبلها كسر نحو: من ربه ، بين المرء وقلبه ، بين المرء وزوجه .

الرابع: أن يكون قبلها أم الكسر، وهي الياء الساكنة، سواء كانت مدية نحو: فيه، أخيه، فألقيه ،أم لينة نحو: عليه، لوالديه، إليه.

الخامس: أن يكون قبلها فتح نحو: لن تخلفه ، سفه نفسه ، وأصلحنا له زوجه .

السادس: أن يكون قبلها أم الفتح وهي الألف نحو: اجتباه وهداه ، أن تخشاه .

السابع: أن يكون قبلها حرف ساكن صحيح نحو: فليصمه ، من لدنه ، فأهلكته .

وقد بين الناظم أن جماعة من أهل الأداء منعوا إدخال الإشمام والروم في الأنواع الأربعة الأولى، فالنوع الأول والثالث مذكوران في قوله: (ومن قبله ضم أو الكسر). والنوع الثاني والرابع مذكوران في قوله: (أو اماهما واو وياء)، والواو في قوله: (ومن قبله) للحال.

والجملة في قوله: (ومن قبله ضم) إلخ، حال من الهاء في قوله: (وفي الهاء)، والتقدير: قوم أبوا دخول الروم والإشمام في هاء الضمير، والحال أن ما قبل الهاء ضم أو كسر أو واو أو ياء.

هذا ما أفاده النظم بطريق المنطوق، ويؤخذ بطريق المفهوم أن هذه الجماعة تجيز دخول الروم والإشمام من غير الأنواع الأربعة الأولى أي: تجيزه في الأنواع الخامس والسادس والسابع.

وقوله: (وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا) يرى بضم الياء فعل مبني للمجهول يحتاج لمفعولين الأول: الضمير المستتر في يرى القائم مقام الفاعل، وهو يعود على البعض.

والثاني: (محللا) وهو اسم فاعل من التحليل ضد التحريم. وقوله: (لهما) متعلق به، وكذا في كل حال، والتقدير: وبعض أهل الأداء يرى محللا أي: مجيزا للروم والإشمام في هاء الضمير في جميع أحوالها السبعة المذكورة، فيستفاد من النظم: أن في هاء الضمير من حيث دخول الروم والإشمام فيها عند الوقف مذهبين:

[ ص: 179 ] المذهب الأول: منع دخولهما في أنواعها الأربعة الأولى، وإجازة دخولهما في أنواعها الثلاثة الأخرى.

المذهب الثاني: إجازة دخولهما في جميع أنواعها السبعة.

ويؤخذ من المذهبين أن دخول الروم والإشمام في الأنواع الثلاثة متفق عليه فيهما.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث