الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والله يقضي بالحق والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير

[ ص: 117 ] " والله يقضي بالحق والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير " .

كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بجملة ( يقضي بالحق ) معطوفة بالواو على جملة ( يعلم خائنة الأعين ) فيقال : ويقضي بالحق ولكن عدل عن ذلك لما في الاسم العلم لله تعالى من الإشعار بما يقتضيه المسمى به من صفات الكمال التي منها العدل في القضاء ، ونظيره في الإظهار في مقام الإضمار قوله تعالى أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ، وليحصل من تقديم المسند إليه على المسند الفعلي تقوي المعنى ، ومنه قوله تعالى إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون أعيد الموصول ولم يؤت بضمير الذين كفروا ليفيد تقديم الاسم على الفعل تقوي الحكم .

والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة يعلم خائنة الأعين كما تقدم ، وكلتاهما ناظرة إلى قوله ما للظالمين من حميم ولا شفيع أي أن ذلك من القضاء بالحق .

وأما جملة " والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء " فناظرة إلى جملة ما للظالمين من حميم ولا شفيع فبعد أن نفي عن أصنامهم الشفاعة ، نفي عنها القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها .

ولا تحسبن جملة " والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء " مسوقة ضميمة إلى جملة والله يقضي بالحق ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى قصر قلب ، أي دون الأصنام ، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموءل أو عبد الملك الحارثي :


تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير الظبات تسيل

لأن المنفي عن آلهتهم أعم من المثبت لله تعالى ، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر يكفي في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على إرادة [ ص: 118 ] الاختصاص في قوله والله يقضي بالحق . فالمراد من قوله " والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء " التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإلهية وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يعد مساويا له كما في قول أمية بن أبي الصلت :


تلك المكارم لا قعبان من لبن     شيبا بماء فصارا بعد أبوالا

وإلا لما كان لعطف قوله : لا قعبان من لبن ، مناسبة .

والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفا .

وجملة إن الله هو السميع البصير مقررة لجمل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور إلى قوله ( لا يقضون بشيء ) .

فتوسط ضمير الفصل مفيد للقصر وهو تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون إليها الإلهية ، وإثبات المبالغة في السمع والبصر لله تعالى يقرر معنى ( يقضي بالحق ) لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطئ أحكامه بالعثار في الباطل ، وتأكيد الجملة بحرف التأكيد تحقيق للقصر . وقد ذكر التفتازاني في شرح المفتاح في مبحث ضمير الفصل أن القصر يؤكد .

وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر " تدعون " بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لقرع أسماع المشركين بذلك . وقرأ الجمهور بياء الغيبة على الظاهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث