الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم

فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال .

أي رموه ابتداء بأنه ساحر كذاب توهما أنهم يلقمونه حجر الإحجام فلما استمر على دعوته وجاءهم بالحق ، أي أظهر لهم الآيات الحق ، أي الواضحة ، فأطلق ( جاءهم ) على ظهور الحق كقوله تعالى جاء الحق وزهق الباطل .

و ( من عندنا ) وصف للحق لإفادة أنه حق خارق للعادة لا يكون إلا من تسخير الله وتأييده ، وهو آيات نبوته التسع .

ووجه وقوع فلما جاءهم بالحق من عندنا بعد قوله أرسلنا موسى بآياتنا [ ص: 123 ] مع اتحاد مفاد الجملتين فإن مفاد جملة ( جاءهم ) مساو لمفاد جملة ( أرسلنا ) ، ومفاد قوله ( بالحق ) مساو لمفاد قوله بآياتنا وسلطان مبين أن الأول للتنويه برسالة موسى وعظمة موقفه أمام أعظم ملوك الأرض يومئذ ، وأما قوله فلما جاءهم بالحق فهو بيان لدعوته إياهم وما نشأ عنها ، وتقدير الكلام : أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون فلما جاءهم بالحق ، فسلكت في هذا النظم طريقة الإطناب للتنويه والتشريف .

وجملة فقالوا ساحر كذاب معترضة . وأرادوا بقولهم ( اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ) أن يرهبوا أتباعه حتى ينفضوا عنه فلا يجد أنصارا ويبقى بنو إسرائيل في خدمة المصريين .

وضمير ( جاءهم ) يحمل على أنه عائد إلى غير مذكور في اللفظ لأنه ضمير جمع يدل عليه المقام وهم أهل مجلس فرعون الذين لا يخلو عنهم مجلس الملك في مثل هذه الحوادث العظيمة كما في قوله تعالى وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين الآية . وليس عائدا إلى فرعون وهامان وقارون لأن قارون لم يكن مع فرعون حين دعاه موسى ولم يكن من المكذبين لموسى في وقت حضوره لدى فرعون ولكنه طغى بعد خروج بني إسرائيل من مصر وبلغ به طغيانه إلى الكفر كما تقدم في قصته في سورة القصص .

والضمير في قولهم ( اقتلوا ) مخاطب به فرعون خطاب تعظيم مثل رب ارجعون .

وإنما أبهم القائلون لعدم تعلق الغرض بعلمه ، ففعل ( قالوا ) بمنزلة المبني للنائب أو بمنزلة : قال قائل ، لأن المقصود قوله بعده وما كيد الكافرين إلا في ضلال ، وهو محل الاعتبار لقريش بأن كيد أمثالهم كان مضاعفا فكذلك يكون كيدهم .

وهذا القتل غير القتل الذي فعله فرعون الذي ولد موسى في زمنه .

وسمي هذا الرأي كيدا لأنهم تشاوروا فيه فيما بينهم دون أن يعلم بذلك موسى [ ص: 124 ] والذين آمنوا معه وأنهم أضمروه ولم يعلنوه ثم شغلهم عن إنفاذه ما حل بهم من المصائب التي ذكرت في قوله تعالى في سورة الأعراف ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين الآية ، ثم بقوله فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد الآية .

والضلال : الضياع والاضمحلال كقوله " قالوا أإذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد " أي هذا الكيد الذي دبروه قد أخذ الله على أيديهم فلم يجدوا لإنفاذه سبيلا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث