الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه

قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه .

استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجيب قولهم فاعمل إننا عاملون المفرع على قولهم قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه إلى آخره جواب المتبرئ من أن يكون له حول وقوة ليعمل في إلجائهم إلى الإيمان لما أبوه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية لا حول له على تقليب القلوب الضالة إلى الهدى ، وما عليه إلا أن يبلغهم ما أوحى الله إليه . وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل [ ص: 237 ] بجزائهم إلى الله تعالى كأنه يقول : وماذا أستطيع أن أعمل معكم فإني رسول من الله فحسابكم على الله .

فصيغة القصر في إنما أنا بشر مثلكم تفيد قصرا إضافيا ، أي أنا مقصور على البشرية دون التصرف في قلوب الناس .

وبين ما تميز به عنهم على وجه الاحتراس من أن يتلقفوا قوله إنما أنا بشر مثلكم تلقف من حصل على اعتراف خصمه بنهوض حجته بما يثبت الفارق بينه وبينهم في البشرية ، وهو مضمون جملة يوحى إلي وذلك للتسجيل عليهم إبطال زعمهم المشهور المكرر أن كونه بشرا مانع من إرساله عن الله تعالى لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، ونحوه مما تكرر في القرآن . ومثل هذا الاحتراس ما حكاه الله عن قول الكفار لرسلهم إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده .

وحرصا على إبلاغ الإرشاد إليهم بين له ما يوحى إليه بقوله إنما إلهكم إله واحد إعادة لما أبلغهم إياه غير مرة ، شأن القائم بهدي الناس أن لا يغادر فرصة لإبلاغهم الحق إلا انتهزها . ونظيره ما جاء في محاورة موسى وفرعون قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون .

وأنما مفتوحة الهمزة ، وهي أخت " إنما " المكسورة وإنما تفتح همزتها إذا وقعت معمولة لما قبلها ولم تكن في الابتداء كما تفتح همزة " أن " وتكسر همزة " إن " لأن " إنما " أو " أنما " مركبان من " إن " أو " أن " مع " ما " الكافة الزائدة للدلالة على معنى " ما " و " إلا " حتى ذهب وهل بعضهم أن " ما " التي معها هي النافية اغترارا بأن معنى القصر إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه مثل " ما " و " إلا " ولا ينبغي التردد في كون " أنما " المفتوحة الهمزة مفيدة القصر [ ص: 238 ] مثل أختها المكسورة الهمزة وبذلك جزم الزمخشري في تفسير سورة الأنبياء ، وما رده أبو حيان عليه إنما هو مجازفة ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون في سورة الأنبياء .

فقوله أنما إلهكم إله واحد إدماج للدعوة إلى الحق في خلال الجواب حرصا على الهدي .

وكذلك التفريع بقوله فاستقيموا إليه واستغفروه فإنه إتمام لذلك الإدماج بتفريع فائدته عليه لأن إثبات أن الله إله واحد إنما يقصد منه إفراده بالعبادة ونبذ الشرك . هذا هو الوجه في توجيه ارتباط قل إنما أنا بشر بقولهم قلوبنا في أكنة إلخ .

وموقع أنما إلهكم إله واحد أنه نائب فاعل يوحى إلي ، أي يوحى إلي معنى المصدر المنسبك من أنما إلهكم إله واحد وهو حصر صفة الله تعالى في أنه واحد ، أي دون شريك .

ومماثلته لهم : المماثلة في البشرية فتفيد تأكيد كونه بشرا .

والاستقامة : كون الشيء قويما ، أي غير ذي عوج وتطلق مجازا على كون الشيء حقا خالصا ليست فيه شائبة تمويه ولا باطل .

وعلى كون الشخص صادقا في معاملته أو عهده غير خالط به شيئا من الحيلة أو الخيانة ، فيقال : فلان رجل مستقيم ، أي صادق الخلق ، وإن أريد صدقه مع غيره يقال : استقام له ، أي استقام لأجله ، أي لأجل معاملته منه . ومنه قوله تعالى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم والاستقامة هنا بهذا المعنى ، وإنما عدي بحرف إلى لأنها كثيرا ما تعاقب اللام ، يقال : ذهبت له وذهبت إليه ، والأحسن أن إيثار إلى هنا لتضمين استقيموا معنى : توجهوا ، لأن التوحيد توجه ، أي صرف الوجه إلى الله دون غيره ، كما حكي عن إبراهيم إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، أو ضمن استقيموا معنى : أنيبوا ، أي توبوا من الشرك كما دل عليه عطف واستغفروه .

[ ص: 239 ] والاستغفار : طلب العفو عما فرط من ذنب أو عصيان وهو مشتق من الغفر وهو الستر .

والمعنى : فأخلصوا إلى الله في عبادته ولا تشركوا به غيره واسألوا منه الصفح عما فرط منكم من الشرك والعناد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث