الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين

فقضاهن سبع سماوات في يومين .

تفريع على قوله فقال لها وللأرض ائتيا .

والقضاء : الإيجاد الإبداعي لأن فيه معنى الإتمام والحكم ، فهو يقتضي الابتكار والإسراع ، كقول أبي ذؤيب الهذلي :


وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

وضمير فقضاهن عائد إلى السماوات على اعتبار تأنيث لفظها ، وهذا تفنن .

[ ص: 249 ] وانتصب سبع سماوات على أنه حال من ضمير قضاهن أو عطف بيان له ، وجوز أن يكون مفعولا ثانيا لـ قضاهن لتضمين قضاهن معنى صيرهن ، وهذا كقوله في سورة البقرة فسواهن سبع سماوات .

وكان خلق السماوات في يومين قبل أربعة الأيام التي خلقت فيها الأرض وما فيها . وقد بينا في سورة البقرة أن الأظهر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض وهو المناسب لقواعد علم الهيئة . وليس في هذه الآية ما يقتضي ذلك .

وإنما كانت مدة خلق السماوات السبع أقصر من مدة خلق الأرض مع أن عوالم السماوات أعظم وأكثر لأن الله خلق السماوات بكيفية أسرع فلعل خلق السماوات كان بانفصال بعضها عن بعض وتفرقع أحجامها بعضها عن خروج بعض آخر منه ، وهو الذي قربه حكماء اليونان الأقدمون بما سموه صدور العقول العشرة بعضها عن بعض ، وكانت سرعة انبثاق بعضها عن بعض معلولة لأحوال مناسبة لما تركبت به من الجواهر .

وأما خلق الأرض فالأشبه أنه بطريقة التولد المبطئ لأنها تكونت من العناصر الطبيعية فكان تولد بعضها عن بعض أيضا . وما يعلم جنود ربك إلا هو .

وهذه الأيام كانت هي مبدأ الاصطلاح على ترتيب أيام الأسبوع وقد خاض المفسرون في تعيين مبدأ هذه الأيام ، فأما كتب اليهود ففيها أن مبدأ هذه الأيام هو الأحد وأن سادسها هو يوم الجمعة وأن يوم السبت جعله الله خلوا من الخلق ليوافق طقوس دينهم الجاعلة يوم السبت يوم راحة للناس ودوابهم اقتداء بإنهاء خلق العالمين .

وعلى هذا الاعتبار جرى العرب في تسمية الأيام ابتداء من الأحد الذي هو بمعنى أول أو واحد ، واسمه في العربية القديمة أول وذلك سرى إليهم من تعاليم اليهود أو من تعاليم أسبق كانت هي الأصل الأصيل لاصطلاح الأمتين .

والذي تشهد له الأخبار من السنة أن الله خلق آدم يوم الجمعة وأنه خير أيام الأسبوع وأفضلها ، وأن اليهود والنصارى اختلفوا في [ ص: 250 ] تعيين اليوم الأفضل من الأسبوع ، وأن الله هدى إليه المسلمين . قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - فهذا اليوم " أي الجمعة " هو اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد . ولا خلاف في أن الله خلق آدم بعد تمام خلق السماء والأرض فتعين أن يكون يوم خلقه هو اليوم السابع . وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت . وقد ضعفه البخاري وابن المديني بأنه من كلام كعب الأحبار حدث به أبا هريرة ، وإنما اشتبه على بعض رواة سنده فظنه مرفوعا .

ولهذه تفصيلات ليس وراءها طائل وإنما ألممنا به هنا لئلا يعرو التفسير عنها ، فيقع من يراها في غيره في حيرة ، وإنما مقصد القرآن العبرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث