الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي

ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي .

اتصال نظم الكلام من أول السورة إلى هنا وتناسب تنقلاته بالتفريع والبيان والاعتراض والاستطراد يقتضي أن قوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا إلى آخره تنقل في درج إثبات أن قصدهم العناد فيما يتعللون به ليوجهوا إعراضهم عن القرآن والانتفاع بهديه بما يختلقونه عليه من الطعن فيه والتكذيب به ، وتكلف الأعذار الباطلة ليتستروا بذلك من الظهور في مظهر المنهزم المحجوج ، فأخذ ينقض دعاويهم عروة عروة ، إذ ابتدئت السورة بتحديهم بمعجزة القرآن بقوله [ ص: 312 ] حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا إلى قوله فهم لا يسمعون فهذا تحد لهم ووصف للقرآن بصفة الإعجاز .

ثم أخذ في إبطال معاذيرهم ومطاعنهم بقوله وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، فإن قولهم ذلك قصدوا به أن حجة القرآن غير مقنعة لهم إغاظة منهم للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ، ثم تمالؤهم على الإعراض بقوله وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وهو عجز مكشوف بقوله إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا وبقوله إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم الآيات . فأعقبها بأوصاف كمال القرآن التي لا يجدون مطعنا فيها بقوله وإنه لكتاب عزيز الآية .

وإذ قد كانت هذه المجادلات من أول السورة إلى هنا إبطالا لتعللاتهم ، وكان عماده على أن القرآن عربي مفصل الدلالة المعروفة في لغتهم حسبما ابتدئ الكلام بقوله كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ، وانتهي هنا بقوله وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فقد نهضت الحجة عليهم بدلالته على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه الجهة فانتقل إلى حجة أخرى عمادها الفرض والتقدير أن يكون قد جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقرآن من لغة أخرى غير لغة العرب .

ولذلك فجملة ولو جعلناه قرآنا أعجميا معطوفة على جملة وإنه لكتاب عزيز على الاعتبارين المتقدمين آنفا في موقع تلك الجملة .

ومعنى الآية متفرع على ما يتضمنه قوله كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقوله قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي من التحدي بصفة الأمية كما علمت آنفا ، أي لو جئناهم بلون آخر من معجزة الأمية فأنزلنا على الرسول قرآنا أعجميا ، وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - علم بتلك اللغة من قبل ، لقلبوا معاذيرهم ، فقالوا : لولا بينت آياته بلغة نفهمها وكيف يخاطبنا بكلام أعجمي . فالكلام جار على طريقة الفرض كما هو مقتضى حرف لو الامتناعية . وهذا إبانة على أن هؤلاء القوم لا تجدي معهم الحجة ولا ينقطعون عن المعاذير ؛ لأن جدالهم لا يريدون به تطلب الحق وما هو إلا تعنت لترويج هواهم .

[ ص: 313 ] ومن هذا النوع في الاحتجاج قوله تعالى ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ، أي لو نزلناه بلغة العرب على بعض الأعجمين فقرأه عليهم بالعربية ، لاشتراك الحجتين في صفة الأمية في اللغة المفروض إنزال الكتاب بها ، إلا أن تلك الآية بنيت على فرض أن ينزل هذا القرآن على رسول لا يعرف العربية ، وهذه الآية بنيت على فرض أن ينزل القرآن على الرسول العربي - صلى الله عليه وسلم - بلغة غير العربية .

وفي هذه الآية إشارة إلى عموم رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - للعرب والعجم فلم يكن عجبا أن يكون الكتاب المنزل عليه بلغة غير العرب لولا أن في إنزاله بالعربية حكمة علمها الله ، فإن الله لما اصطفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عربيا وبعثه بين أمة عربية كان أحق اللغات بأن ينزل بها كتابه إليه العربية ، إذ لو نزل كتابه بغير العربية لاستوت لغات الأمم كلها في استحقاق نزول الكتاب بها فأوقع ذلك تحاسدا بينها بخلاف العرب إذ كانوا في عزلة عن الأمم ، فلا جرم رجحت العربية لأنها لغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولغة القوم المرسل بينهم فلا يستقيم أن يبقى القوم الذين يدعوهم لا يفقهون الكتاب المنزل إليهم .

ولو تعددت الكتب بعدد اللغات لفاتت معجزة البلاغة الخاصة بالعربية لأن العربية أشرف اللغات وأعلاها خصائص وفصاحة وحسن أداء للمعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة . ثم العرب هم الذين يتولون نشر هذا الدين بين الأمم وتبيين معاني القرآن لهم .

ووقع في تفسير الطبري عن سعيد بن جبير أنه قال : قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا ؟ فأنزل الله " لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام اهـ . ولا أحسب هذا تأويلا لسعيد بن جبير لأنه لم يسنده إلى راو ، ولم يرو عن غيره فرأى أن الآية تنبئ عن جواب كلام صدر عن المشركين المعبر عنهم بضمير لقالوا .

وسياق الآية ولفظها ينبو عن هذا المعنى ، وكيف ولو الامتناعية تمتنع من تحمل هذا التأويل وتدفعه .

[ ص: 314 ] وأما ما ذكره في الكشاف " أنهم كانوا لتعنتهم يقولون : هلا نزل القرآن بلغة العجم ؟ فقيل : لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت ، وقالوا :

لولا فصلت آياته إلخ . فلم نقف على من ذكر مثله من المفسرين وأصحاب أسباب النزول وما هو إلا من صنف ما روي عن سعيد . ولو كان كذلك لكان نظم الآية : وقالوا لولا فصلت آياته ، ولم يكن على طريقة لو وجوابها . ولا يظن بقريش أن يقولوا ذلك إلا إذا كان على سبيل التهكم والاستهزاء .

وضمير جعلناه عائد إلى الذكر في قوله إن الذين كفروا بالذكر .

وقوله " أأعجمي وعربي " بقية ما يقولونه على فرض أن يجعل القرآن أعجميا ، أي أنهم لا يخلون من الطعن في القرآن على كل تقدير .

ولولا حرف تحضيض .

ومعنى فصلت هنا : بينت ووضحت ، أي لولا جعلت آياته عربية نفهمها .

والواو في قوله ( وعربي ) للعطف بمعنى المعية . والمعنى : وكيف يلتقي أعجمي وعربي ، أي كيف يكون اللفظ أعجميا والمخاطب به عربيا كأنهم يقولون : أيلقى لفظ أعجمي إلى مخاطب عربي .

ومعنى قرآنا كتابا مقروءا . وورد في الحديث تسمية كتاب داود عليه السلام قرآنا ، قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : إن داود يسر له القرآن فكان يقرأ القرآن كله في حين يسرج له فرسه أو كما قال .

والأعجمي : المنسوب إلى أعجم ، والأعجم مشتق من العجمة وهي الإفصاح ، فالأعجم : الذي لا يفصح باللغة العربية ، وزيادة الياء فيه للوصف نحو : أحمري ودواري . فالأعجمي من صفات الكلام .

وأفرد ( وعربي ) على تأويله بجنس السامع ، والمعنى : أكتاب عربي لسامعين عرب فكان حق ( عربي ) أن يجمع ولكنه أفرد لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمرسل إليهم ، فاعتبر فيه الجنس دون أن ينظر إلى إفراد ، أو جمع .

[ ص: 315 ] وحاصل معنى الآية : أنها تؤذن بكلام مقدر داخل في صفات الذكر ، وهو أنه بلسان عربي بلغتكم إتماما لهديكم فلم تؤمنوا به وكفرتم وتعللتم بالتعللات الباطلة فلو جعلناه أعجميا لقلتم : هلا بينت لنا حتى نفهمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث