الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 619 ] سورة الزلزلة

قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

وخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة ، قال: حدثني عطاء ابن دينار . عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين، فيستقلون أن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه . وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، فرغبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر فنزلت: فمن يعمل مثقال ذرة يعني: وزن أصغر النمل خيرا يره يعني في كتابه، ويسره ذلك قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة، ضاعف الله حسنات المؤمن أيضا بكل واحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة . وظاهر هذا أنه تقع المقاصة بين الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات [ ص: 620 ] المقابلة للسيئات، وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصة، وهذا يوافق قول من قال: بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافا لمن قال: يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأنها لم تكن .

وهذا في الكبائر، أما الصغائر، فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" . فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات . وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة، كتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب " . فهذا يدل على أن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا . وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه، وتبقى له حسناته، كما قال الله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون وقال عز وجل: والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان، دل على أنهم ليسوا بمصرين على الذنوب، بل هم تائبون منها .

وقوله: ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا يدخل فيه الكبائر . لأنها أسوأ الأعمال، وقال: ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا فرتب على التقوى المتضمنة لفعل الواجبات وترك المحرمات . تكفير السيئات وتعظيم الأجر، وأخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السماوات والأرض أنهم قالوا: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار وأخبر أنه استجاب لهم ذلك، وأنه كفر عنهم سيئاتهم، وأدخلهم الجنات . وقوله: فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا فخص الذنوب بالمغفرة . والسيئات بالتكفير، فقد يقال: السيئات تخص الصغائر، والذنوب يراد بها الكبائر، فالسيئات تكفر، لأن الله جعل لها كفارات في الدنيا شرعية وقدرية، والذنوب تحتاج إلى مغفرة تقي صاحبها من شرها، والمغفرة والتكفير متقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر الذنب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأس ووقاه في الحرب: مغفرا، ولا يسمى كل ساتر للرأس مغفرا، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس، لأن أصل الكفر الستر والتغطية أيضا . وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأن التكفير محو أثر الذنب، حتى كأنه لم [ ص: 622 ] يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إفضال الله على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر .

* * *

دخلت امرأة على عائشة ، قد شلت يدها فقالت: يا أم المؤمنين، بت البارحة صحيحة اليد وأصبحت شلاء!! قالت عائشة : وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسران، كان أبي يعطي الزكاة، ويقري الضيف، ويعطي السائل، ولا يحقر من الخير شيئا إلا فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعد شهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي، وعنده ثوبان أصفران، بين يديه نهر جار، قلت: يا أبته ما هذا؟ قال يا بنية: من يعمل في هذه الدنيا خيرا يره، هذا أعطانيه الله تعالى . قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟ قلت: نعم، قال: هيهات عدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فالتفت عن شمالي فإذا أنا بأمي قائمة عريانة مؤتزرة بخرقة، بيدها شحيمة تنادي: وا لهفاه وا حزناه وا عطشاه!! فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهر جار، قلت: أيا أماه! ما لك تنادين العطش وبين يديك نهر جار؟ قالت: لا أترك أن أشرب منه، قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددت أنك فعلت، فغرفت لها غرفة فسقيتها، فلما شربت نادى مناد من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شلت يمينه، مرتين، فأصبحت شلاء اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني . قالت لها عائشة : وعرفت الخرقة؟ قالت: نعم يا أم المؤمنين، وهي التي [ ص: 623 ] رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدقت بشيء قط، إلا أن أبي نحر ذات يوم ثورا، فجاءه سائل فعمدت أمي إلى عظم عليه شحيمة فناولتها إياه، وما رأيتها تصدقت بشيء إلا أن سائلا جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خرقة فناولتها إياه . فكبرت عائشة - رضي الله عنها - وقالت: صدق الله، وبلغ رسوله - صلى الله عليه وسلم - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه "الترغيب والترهيب " من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ، بإسناد حسن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث