الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل

والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل .

جملة معطوفة على جملة له ما في السماوات وما في الأرض بعد أن أفيد ما هو كالحجة على أن لله ما في السماوات وما في الأرض من قوله : وهو العلي العظيم تكاد السماوات الآيتين . فالمعنى : قد نهضت حجة انفراده تعالى بالعزة والحكمة والعلو والعظمة وعلمها المؤمنون فاستغفرت لهم الملائكة . وأما الذين لم يبصروا تلك الحجة وعميت عليهم الأدلة فلا تهتم بشأنهم فإن الله حسبهم وما أنت عليهم بوكيل . فهذا تسكين لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل عدم إيمانهم بوحدانية الله تعالى .

وهذه مقدمة لما سيؤمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدعوة ابتداء من قوله : وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى [ ص: 32 ] الآية ، ثم قوله : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآيات ، ثم قوله : فلذلك فادع واستقم وقوله : قل لا أسألكم عليه أجرا الآية .

وقوله : الذين اتخذوا من دونه أولياء مبتدأ وجملة الله حفيظ عليهم خبر عن الذين اتخذوا من دونه أولياء .

والحفيظ : فعيل بمعنى فاعل ، أي حافظ ، وتختلف معانيه ومرجعها إلى رعاية الشيء والعناية به : ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال المرقوب وأعماله ، وباختلاف معانيه تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جر يناسب المعنى ، وقد عدي هنا بحرف ( على ) كما يعدى الوكيل لأنه بمعناه .

والوكيل فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه عمل في شيء أو اقتضاء حق . يقال : وكله على كذا ، ومنه الوكالة في التصرفات المالية والمخاصمة ، ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال الموكل عليه وأعماله . وقد استعمل حفيظ و ( وكيل ) هنا في استعمالهما الكنائي عن متقارب المعنى فلذلك قد يفسر أهل اللغة أحد هذين اللفظين بما يقرب من تفسير اللفظ الآخر كتفسير المرادف بمرادفه وذلك تسامح .

فعلى من يريد التفرقة بين اللفظين أن يرجع بهما إلى أصل مادتي ( حفظ ) و ( وكل ) ، فمادة ( حفظ ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول ، ومادة ( وكل ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول وتجاوزه من ذلك المفعول إلى شيء آخر وهو متعلق به ، وبذلك كان فعل ( حفظ ) مفيدا بمجرد ذكر فاعله ومفعوله دون احتياج إلى متعلق آخر ، بخلاف فعل ( وكل ) ؛ فإفادته متوقفة على ذكر أو على تقدير ما يدل على شيء آخر زائد على المفعول ومن علائقه ، فلذلك أوثر وصف ( حفيظ ) هنا بالإسناد إلى اسم الجلالة لأن الله جل عن أن يكلفه غيره حفظ شيء فهو فاعل الحفظ ، وأوثر وصف ( وكيل ) بالإسناد إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم لأن المقصود أن الله لم يكلفه بأكثر من التبليغ ، والمعنى : الله رقيب عليهم لا أنت وما أنت بموكل من الله على جبرهم على الإيمان . وفي معناه قوله في آخر هذه [ ص: 33 ] السورة فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ .

وأيضا هي كالبيان لما في جملة تكاد السماوات يتفطرن لأن من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة .

ولولا أنها أريد منها زيادة تقرير معنى جملة وهو العلي العظيم لكانت جديرة بأن تفصل ولكن رجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلو والعظمة لله تعالى . وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة يكاد السماوات يتفطرن بها كما علمته آنفا .

فقوله الملائكة مبتدأ وجملة يسبحون خبر والمقصود الإعلام بجلال الله .

وتسبيح الملائكة بحمد الله : خضوع لعظمته وعلوه ، والتسبيح التنزيه عن النقائص .

فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة الله تعالى فهو : انفعال روحاني كقوله تعالى : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ، وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملكية وكذلك حمدهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض .

ومفعول يسبحون محذوف دل عليه مصاحبته بحمد ربهم تقديره : يسبحون ربهم ، والباء للمصاحبة ، أي يسبحون تسبيحا مصاحبا لحمدهم ربهم ، أي الثناء عليه بصفاته الكمالية ، ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم وعلى غيرهم ، فالمعنى : يسبحون الله ويحمدونه .

وهذا تعريض بالمشركين إذ أعرضوا عن تسبيح ربهم وحمده وشغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ولا تنفعهم ولا تضرهم .

وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه الله عما لا يليق به أهم من إثبات صفة الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى . ولذلك كانت [ ص: 34 ] الصفات المعبر عنها بصفات السلوب مقدمة في ترتيب علم الكلام على صفات المعاني ( عندنا ) والصفات المعنوية .

والاستغفار لمن في الأرض : طلب المغفرة لهم بحصول أسبابها لأن الملائكة يعلمون مراتب المغفرة وأسبابها ، وهم لكونهم من عالم الخير والهدى يحرصون على حصول الخير للمخلوقات وعلى اهتدائهم إلى الإيمان بالله والطاعات ويناجون نفوس الناس بدواعي الخير ، وهي الخواطر الملكية . فالمراد بـ من في الأرض من عليها يستحقون استغفار الملائكة كما قال تعالى : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ثم قال : وقهم السيئات في سورة المؤمن . وقد أثبت القرآن أن الملائكة يلعنون من تحق عليه اللعنة بقوله تعالى : أولئك عليهم لعنة الله والملائكة في سورة البقرة . فعموم من في الأرض هنا مخصوص بما دلت عليه آية سورة المؤمن .

وجملة ألا إن الله هو الغفور الرحيم تذييل لجملة والملائكة يسبحون بحمد ربهم إلى آخرها لإبطال وهم المشركين أن شركاءهم يشفعون لهم ، ولذلك جيء في هذه الجملة بصيغة القصر بضمير الفصل ، أي أن غير الله لا يغفر لأحد . وصدرت بأداة التنبيه للاهتمام بمفادها .

وقد أشارت الآية إلى مراتب الموجودات ، وهي : . . .

والمقصود رفع التبعية عن النبيء صلى الله عليه وسلم من عدم استجابتهم للتوحيد ، أي لا تخش أن نسألك على عدم اهتدائهم إذ ما عليك إلا البلاغ ، وتقدم في قوله : وما أنت عليهم بوكيل في سورة الأنعام .

وإذ قد كان الحفيظ والوكيل بمعنى ، كان إثبات كون الله حفيظا عليهم ونفي كون الرسول صلى الله عليه وسلم وكيلا عليهم مفيدا قصر الكون حفيظا عليهم على الله تعالى دون الرسول صلى الله عليه وسلم بطريق غير أحد طرق القصر المعروفة ، فإن هذا من صريح القصر ومنطوقه لا من مفهومه وهو الأصل في القصر وإن كان قليلا ، ومنه قول السموءل :

[ ص: 35 ]

تسيل على حد الظبات نفوسنـا وليست على غير الظبات تسيل

وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من أسلوب الإيجاز ، والقصر قصر قلب كما هو صريح طرفه الثاني في قوله : وما أنت عليهم بوكيل نزل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من يحسب أنه وكيل على إيمانهم وحصل من هذا التنزيل تعريض بهم بأنهم لا يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يصدقوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث