الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاستجمار والاستنجاء بالماء وبكل طاهر ينقي

جزء التالي صفحة
السابق

ثم يستجمر ، ثم يستنجي بالماء ، ويجزئه أحدهما إلا أن يعدو الخارج موضع العادة ، فلا يجزئ إلا الماء ، ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي كالحجر ، والخشب ، والخرق ، إلا الروث ، والعظام ، والطعام ، وما له حرمة ، وما يتصل بالحيوان ، ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات ، إما بحجر ذي شعب ، أو بثلاثة فإن لم ينق بها زاد حتى ينقى ، ويقطع على وتر .

التالي السابق


( ثم يستجمر ، ثم يستنجي بالماء ) وجمعهما أفضل ، لقول عائشة : مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء ، فإني أستحييهم ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله رواه أحمد ، واحتج به في رواية حنبل ، والنسائي ، والترمذي ، ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف ، لأن الحجر يزيل عين النجاسة ، ولا تباشرها يده . والماء يزيل أثرها ، فإن بدأ بالماء ، فقال أحمد : يكره ( ويجزئه أحدهما ) أما الماء ، فلما روى أنس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته ، أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من [ ص: 89 ] ماء فيستنجي به متفق عليه ، ولفظه لمسلم . ويواصل صب الماء ، ويسترخي قليلا ، ويدلك الموضع حتى يخشن وينقى ، وأما الأحجار ، فلقوله عليه السلام في حديث جابر : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه رواه أحمد ، وأبو داود ، ولكن الماء أفضل في ظاهر المذهب ، لأنه يزيل العين والأثر ، ويطهر المحل ، والحجر يخفف النجاسة ، وكان القياس يقتضي عدم إجزائه ، لكن الإجزاء رخصة ، وعنه : يكره الاستنجاء وحده ، لأن فيه مباشرة النجاسة بيده ، ونشرها من غير حاجة ، وعنه : الحجر أفضل ، اختاره ابن حامد ، والاقتصار عليه مجزئ بالإجماع ، فأما ما نقل عن سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن الزبير ، وابن المسيب ، وعطاء من إنكار الماء ، فهو - والله أعلم - إنكار على من يستعمله معتقدا لوجوبه ، ولا يرى الأحجار مجزئة ، لأنهم شاهدوا من الناس محافظة عليه ، فخافوا التعمق في الدين ( إلا أن يعدو الخارج موضع العادة ) جزم به في " المستوعب " ، و " التلخيص " ، و " الوجيز " ، مثل أن ينتشر إلى الصفحتين ، أو يمتد إلى الحشفة كثيرا ، اقتصر عليه في " الشرح " وحده ، وفي " شرح العمدة " إلى النصف من الألية ، والحشفة فأكثر ، فإن كان أقل من ذلك عفي عنه : وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في " الهداية " ، وظاهر " المحرر " أنها إذا تعدت عن مخرجها مطلقا ( فلا يجزئ إلا الماء ) لأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء ، وإنما رخص في الاستجمار لتكرر النجاسة على المحل المعتاد ، فإذا جاوزته خرجت عن حد الرخصة ، فوجب غسلها كسائر البدن ، والغسل للمتعدي [ ص: 90 ] نص عليه ، وبه قطع ابن تميم ، ونفس المخرج يجزئ فيه الاستجمار ، وجزم به في " الوجيز " ، وهو مقتضى كلامه في " المحرر " أن الماء متعين للكل ، وحكى ابن الزاغوني في " الوجيز " ، روايتين ، ونص أحمد أنه لا يستجمر في غير المخرج ، وقيل : يستجمر في الصفحتين ، والحشفة ، وبه قطع الشيرازي ، وظاهره أنه لا يشترط التراب ، ولا العدد ، لأنه لم ينقل ، واختلف الأصحاب فيما إذا انسد المخرج ، وانفتح غيره ، فقال القاضي ، والشيرازي : يجزئه الاستجمار فيه ، لأنه صار معتادا ، ونفاه ابن حامد والمؤلف ، ونصره في " الشرح " لأنه لا يتعلق به أحكام الفرج ، وحينئذ يتعين الماء ، سواء انفتح فوق المعدة أو تحتها ، صرح به الشيرازي ، وقيده ابن عقيل ، والمجد بما إذا انفتح أسفل المعدة . قال ابن تميم : وظاهر كلامهم إجراء الخلاف مع بقاء المخرج ، فلو يبس الخارج في مخرجه ، أو تنجس بغير نجاسة ، كالحقنة إذا خرجت ، أو استجمر بنجس ، وجب غسل المحل في الأشهر ، ويغسل الأقلف المفتوق نجاسة حشفته ، ونص أحمد : أنه يسن ، وقيل : حكم طرف القلفة ، حكم رأس الذكر ، وقيل : إن تعذر إخراجها فهو كمختون .

تنبيهان : الأول : البكر كالرجل ، لأن عذرتها تمنع من انتشار البول ، فأما الثيب ، فإن خرج البول ولم ينتشر ، فكذلك ، وإن تعدى إلى موضع الحيض ، فقال أصحابنا : يجب غسله ، لأن مخرج الحيض غير مخرج البول . وفي " المغني " احتمال لا يجب ، لأن هذا إعادة في حقها ، فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد .

[ ص: 91 ] الثاني : يبدأ الرجل والبكر بالقبل ، وقيل : يتخير كالثيب ، وذكر السامري : أنها تبدأ بالدبر ، فلا تدخل إصبعها بل يكفي ما ظهر ، لأن المشقة تلحق به كداخل العينين ، وهو في حكم الباطن ، وقال أبو المعالي ، وابن حمدان : هو في حكم الظاهر ، واختلف كلام القاضي ، ويخرج على ذلك إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض ؛

مسألة : إذا استجمر في فرج ، واستنجى في آخر فلا بأس ، ويستحب لمن استنجى نضح فرجه ، وسراويله بالماء ، لدفع الوسواس ، وعنه : لا لمن استجمر ، ومن ظن خروج شيء ، فقال أحمد : لا تلتفت حتى تتيقن ، ولم ير حشو الذكر ، فإن فعل فصلى ، ثم أخرجه ، فوجد بللا فلا بأس ما لم يظهر خارجا .

( ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي كالحجر ) إجماعا ، ( والخشب ، والخرق ) هذا هو الصحيح في المذهب ، لما روى أحمد ، وأبو داود ، والدارقطني ، وقال : إسناده صحيح ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط ، فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه .

والثانية ، واختارها أبو بكر ، وهي قول داود : لا يجزئ إلا الأحجار ، لأنه نص عليها ، وعلق الإجزاء بها . والأول أولى ، لأن المراد بالأحجار كل مستجمر ، فيدخل فيه جميع الجامدات ، ولقول سلمان : أمرنا عليه السلام أن لا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ، ولا عظم فلولا أنه يعم الجميع لم يكن لاستثناء الرجيع والعظم معنى .

[ ص: 92 ] وإنما خص الحجر بالذكر ، لأنه أعم الجامدات وجودا ، وأشملها تناولا ، لا يقال : المراد بالرجيع الحجر المستجمر به مرة ، لأنه في اللغة اسم الروث ، سمي بذلك لأن الحيوان رجعه بعد أن أكله ، يؤيده ما رواه أحمد من حديث رويفع بن ثابت مرفوعا : من استجمر برجيع دابة فإن محمدا بريء منه .

( إلا الروث ، والعظام ، والطعام ، وما له حرمة ، وما يتصل بالحيوان ) لما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تستنجوا بالروث ، ولا بالعظام ، فإنه زاد إخوانكم من الجن رواه مسلم ، وفي رواية : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يستنجى بروث أو عظم ، وقال : إنهما لا يطهران رواه الدارقطني ، وقال : إسناد صحيح ، وإذا ثبت ذلك في طعام الجن ، ففي طعام الآدمي أولى ، وبالجملة فيشترط في المستجمر به شروط :

الأول : أن يكون جامدا
، لأن المائع إن كان ماء ، فهو استنجاء ، وإن كان غيره امتزج بالخارج ، فيزيد المحل نجاسة ، ويؤخذ هذا من تمثيله بالحجر والخرق .

الثاني : أن يكون طاهرا ، لما روى ابن مسعود : أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجرين وروثة ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجرين ، وألقى الروثة ، وقال : إنها لركس رواه البخاري ، والركس النجس .

الثالث : أن يكون منقيا ، فلا يجوز بالفحم الرخو ، قاله في " الشرح " [ ص: 93 ] وغيره ، ولا بالزجاج ، ولا الحجر الأملس والبلور ، إذ المقصود الإنقاء ، ولم يحصل .

الرابع : أن لا يكون محترما ، فلا يجوز بطعامنا ، ولا بطعام دوابنا ، وكذا طعام الجن ، ودوابهم ، وكذلك كتب الفقه والحديث ، وما فيه اسم الله تعالى لما فيه من هتك الشريعة ، والاستخفاف بحرمتها ، وإذا ثبت ذلك في الطعام بحرمة الأكل فها هنا أولى ، وكذلك ما يتصل بحيوان ، كيده ، وذنبه ، وصوفه المتصل به ، لأن له حرمة فهو كالطعام ، وقد ينجس الغير ، فقوله : وما له حرمة يدخل فيه الطعام ، وما يتصل بحيوان فذكره كاف عنهما ، ولهذا اقتصر في " المحرر " و " الوجيز " عليه .

الخامس : أن لا يكون محرما ، فلا يجوز بمغصوب ، ولا ذهب ، ولا فضة ، ذكره في " النهاية " ، وجزم به في " الوجيز " ، ولم يذكره المؤلف ، وقيل : يجوز بالمغصوب ، وهو مخرج من رواية صحة الصلاة في بقعة غصب ، ورد بأن الاستجمار رخصة ، والرخص لا تستباح على وجه محرم ، واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء في ذلك ، وبما نهي عنه ، قال : لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقي ، بل لإفساده ، ومن مذهبه أن النجاسة تزال بغير الماء ، وهي من باب التروك ، بدليل أنه لا يشترط لزوالها قصد ، وجوابه رواية الدارقطني السابقة ، وحيث قيل بعدم الإجزاء فإنه يتعين الماء في الشرط الأول ، وكذا في الثاني على ما قطع به المجد ، والمؤلف في " الكافي " ، وفي " المغني " احتمال بإجزاء الحجر ، وهو وهم ، وفي الثالث يعدل إلى طاهر منق ، وفي الرابع والخامس : هل يجزئه الحجر جعلا لوجود [ ص: 94 ] آلة النهي ، كعدمها أو يعدل إلى الماء لعدم فائدة الحجر إذن لنقاء المحل ؛ فيه وجهان .

( ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات ) منقية ( إما بحجر ) كبير ( ذي ثلاث شعب أو بثلاثة ) إذا حصل له الإنقاء بثلاثة أحجار ، فهي مجزئة بغير خلاف ، وأما الحجر الكبير الذي له شعب فيجوز الاقتصار عليه في ظاهر المذهب ، اختاره الخرقي ، وجل المشايخ ، وعنه : لا بد من ثلاثة أحجار ، اختارها أبو بكر ، والشيرازي ، لأنه عليه السلام ، نص عليها ، وعلق الإجزاء بها ، ولأنه إذا استجمر به تنجس ، فلم يجز كالصغير ، والأول أصح ، لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات رواه أحمد ، وهذا يبين أن المقصود تكرار التمسح ، لا تكرار الممسوح به ، ولأنه يحصل بالشعب الثلاثة ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه ، فلا معنى للفرق ، فعلى هذا إن كسر ما تنجس ، أو غسله ، أو استجمر بثلاثة أحجار لكل منهما ثلاث شعب أجزأه لحصول المعنى ، والإنقاء . وعلى قول أبي بكر : لا يجزئه جمودا على اللفظ . قال في " الشرح " : وهو بعيد ، قال ابن عقيل : ولو مسح بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع ، فهو كالحجر الكبير .

تذنيب : الإنقاء بالحجر بقاء أثر لا يزيله إلا الماء ، وقال المؤلف : خروج الحجر ، أي : الأخير لا أثر به إلا يسيرا ، فلو بقي ما يزول بالخرق لا بالحجر أزيل على ظاهر الأول لا الثاني ، ويندب نظره إلى الحجر قبل رميه ليعلم هل قلع أم لا ، والإنقاء بالماء خشونة المحل كما كان ، والأولى أن يقال : أن يعود المحل [ ص: 95 ] إلى ما كان عليه ، لئلا ينتقض بالأمرد ونحوه ، ويكفي الظن ، جزم به جماعة ، وفي " النهاية " بالعلم ، ومثله طهارة الحدث .

مسألة : ينبغي أن يعم بكل مسحة المحل . ذكره الشريف ، وابن عقيل ، وذكر القاضي : أن المستحب أن يمر الحجر الأول من صفحة مقدم اليمنى إلى مؤخرها ، ثم يديره على اليسرى حتى يصل بها إلى الموضع الذي بدأ منه ، ثم يمر الثاني من صفحته اليسرى كذلك ، ثم الثالث على المسربة ، والصفحتين ، وقال ابن تميم : إن أفرد كل جهة بحجر فهل يجزئ ؛ على وجهين ، وذكره ابن الزاغوني رواية ( فإن لم ينق بها ) أي : بالمسحات الثلاث ( زاد حتى ينقى ) لأن المقصود إزالة أثر النجاسة ( ويقطع ) في الزيادة ( على وتر ) استحبابا لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من استجمر فليوتر رواه الشيخان ، فإن قطع على شفع جاز ، لأن في رواية أبي داود ، وابن ماجه من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث