الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا

ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا .

عطف " لا يأب " على واستشهدوا شهيدين لأنه لما أمر المتعاقدين باستشهاد شاهدين نهى من يطلب إشهاده عن أن يأبى ليتم المطلوب وهو الإشهاد .

وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي اهتماما بما فيه التفريط ، فإن المتعاقدين يظن بهما إهمال الإشهاد فأمرا به ، والشهود يظن بهم الامتناع فنهوا عنه ، وكل يستلزم ضده .

وتسمية المدعوين شهداء باعتبار الأول القريب ، وهو المشارفة ، وكأن في ذلك نكتة عظيمة ، وهي الإيماء إلى أنهم بمجرد دعوتهم إلى الإشهاد ، قد تعينت عليهم الإجابة ، فصاروا شهداء .

وحذف معمول " دعوا " إما لظهوره من قوله - قبله - واستشهدوا شهيدين أي إذا ما دعوا إلى الشهادة أي التحمل ، وهذا قول قتادة والربيع بن سليمان ، ونقل عن ابن عباس ، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل بالأولى ، ويجوز أن يكون [ ص: 113 ] حذف المعمول لقصد العموم ، أي : إذا ما دعوا للتحمل والأداء معا . قاله الحسن ، وابن عباس وقال مجاهد : إذا ما دعوا إلى الأداء خاصة ، ولعل الذي حمله على ذلك هو قوله " الشهداء " لأنهم لا يكونون شهداء حقيقة إلا بعد التحمل ويبعده أن الله تعالى قال بعد هذا : ولا تكتموا الشهادة وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة للأداء .

والذي يظهر أن حذف المتعلق بفعل " دعوا " لإفادة شمول ما يدعون لأجله في التعاقد : من تحمل عند قصد الشهادة ، ومن أداء عند الاحتياج إلى البينة ، قال ابن الحاجب : والتحمل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو البريدين - إن كانا اثنين - فرض عين ، ولا تحل إحالته على اليمين .

والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله : ولا يأب كاتب ويظهر أن التحمل يتعين بالتعيين من الإمام ، أو بما يعينه ، وكان الشأن أن يكون فرض عين إلا لضرورة فينتقل المتعاقدان الآخران ، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا مضرة فيه على الشاهد في بدنه أو ماله ، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية إلا إذا تعين عليه بأن لا يوجد بدله . وإنما يجب بشرط عدالة القاضي وقرب المكان بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه ، وعلمه بأنه تقبل شهادته وطلب المدعي . وفي هذه التعليقات رد بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود ، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه .

قال القرطبي : يؤخذ من هذه الآية أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودا ، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال ، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها ، قلت : وقد أحسن قضاة تونس المتقدمون وأمراؤها ، في تعيين شهود منتصبين للشهادة بين الناس ، يؤخذون ممن يقبلهم القضاة ويعرفونهم بالعدالة ، وكذلك كان الأمر في الأندلس ، وذلك من حسن النظر للأمة ، ولم يكن ذلك متبعا في بلاد المشرق ، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء وضبطهم للشروط وكتب الوثائق فيعتمدهم القضاة ، ويكلون إليهم ما يجري في النوازل من كتابة الدعوى والأحكام ، وكان مما يعد في ترجمة بعض العلماء أن يقال : كان مقبولا عند القاضي فلان .

[ ص: 114 ] ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها ، فالصغير والكبير هنا مجازان في الحقير والجليل . والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة ، فلذلك نهوا عن السآمة هنا ، والسآمة : الملل من تكرير فعل ما .

والخطاب للمتداينين أصالة ، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب ؛ لأن المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب .

والنهي عنها نهي عن أثره ، وهو ترك الكتابة لأن السآمة تحصل للنفس من غير اختيار ، فلا ينهى عنها في ذاتها ، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون ، وانتصب ( صغيرا أو كبيرا ) على الحال من الضمير المنصوب بـ ( تكتبوه ) أو على حذف ( كان ) مع اسمها . وتقديم الصغير على الكبير هنا ، مع أن مقتضى الظاهر العكس كتقديم السنة على النوم في قوله تعالى : لا تأخذه سنة ولا نوم لأنه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ من التوهمات في قلة الاعتناء بالصغير ، وهو أكثر ، أو اعتقاد عدم وجوب كتابة الكبير ، لو اقتصر في اللفظ على الصغير .

وجملة ( إلى أجله ) حال من الضمير المنصوب بـ ( تكتبوه ) أي مغيى الدين إلى أجله الذي تعاقدا عليه ، والمراد التغيية في الكتابة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث