الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس

فأقم وجهك للدين حنيفا قال العلامة الطيبي : إنه تعالى عقيب ما عدد الآيات البينات والشواهد الدالة على الوحدانية ونفي الشرك وإثبات القول بالمعاد وضرب سبحانه المثل وقال سبحانه: كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون أراد جل شأنه أن يسلي حبيبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ويوطنه على اليأس من إيمانهم، فأضرب تعالى عن ذلك وقال سبحانه: بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم وجعل السبب في ذلك أنه عز وجل ما أراد هدايتهم، وأنه مختوم على قلوبهم، ولذلك رتب عليه قوله تعالى: فمن يهدي من أضل الله على التقريع والإنكار، ثم ذيل سبحانه الكل بقوله تعالى: وما لهم من ناصرين يعني إذا أراد الله تعالى منهم ذلك فلا مخلص لهم منه، ولا أحد ينقذهم لا أنت، ولا غيرك، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فاهتم بخاصة نفسك ومن تبعك، وأقم وجهك إلخ، اهـ، ومنه يعلم حال الفاء في قوله تعالى: ( فمن ) وكذا في قوله سبحانه: ( فأقم ) وقدر النيسابوري للثانية إذا تبين الحق وظهرت الوحدانية فأقم إلخ، ولعل ما أشار إليه الطيبي أولى، ثم إنه يلوح من كلامه احتمال أن يكون الموصول قائما مقام ضمير ( الذين ظلموا ) فتدبر.

و«أقم» من أقام العود، ويقال: قوم العود أيضا، إذا عدله، والمراد الأمر بالإقبال على دين الإسلام، والاستقامة والثبات عليه، والاهتمام بترتيب أسبابه على أن الكلام تمثيل لذلك، فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد إليه طرفه، وسدد إليه نظره، وأقبل عليه بوجه غير ملتفت عنه، فكأنه قيل: فعدل وجهك للدين وأقبل عليه إقبالا كاملا غير ملتفت يمينا وشمالا، وقال بعض الأجلة: إن إقامة الوجه للشيء كناية عن كمال الاهتمام به، ولعله أراد بالكناية المجاز المتفرع على الكناية، فإنه لا يشترط فيه إمكان إرادة المعنى الحقيقي، ونصب ( حنيفا ) على الحال من الضمير في (أقم)، أو من (الدين)، وجوز أبو حيان كونه حالا من الوجه، وأصل الحنف الميل من الضلال إلى الاستقامة، وضده الجنف بالجيم، ( فطرة الله ) نصب على الإغراء أي الزموا فطرة الله تعالى، ومن أجاز إضمار أسماء الأفعال جوز أن يقدر هنا (عليكم) اسم فعل، وقال مكي: هو نصب بإضمار فعل، أي اتبع فطرة الله، ودل عليه قوله تعالى: ( فأقم وجهك للدين ) لأن معناه اتبع الدين، واختاره الطيبي وقال: إنه أقرب في تأليف النظم، لأنه موافق لقوله تعالى: بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ولترتب قوله تعالى: ( فأقم وجهك ) عليه بالفاء.

وجوز أن يكون نصبا بإضمار أعني، وأن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف دل عليه ما بعد، أي فطركم فطرة الله، ولا يصح عمل فطر المذكور بعد فيه، لأنه من صفته، وأن يكون منصوبا بما دل عليه الجملة السابقة على أنه مصدر مؤكد لنفسه. وأن يكون بدلا من ( حنيفا )، والمتبادر إلى الذهن النصب على الإغراء، وإضمار الفعل على خطاب الجماعة مع أن المتقدم ( فأقم ) هو ما اختاره الزمخشري ليطابق قوله تعالى:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث