الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


218 [ ص: 368 ] ( 17 ) باب من قام بعد الإتمام أو في الركعتين

190 - مالك عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن عبد الله بن بحينة أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته ، ونظرنا تسليمه ، كبر ، ثم سجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، ثم سلم .

[ ص: 369 ]

التالي السابق


[ ص: 369 ] 5448 - وذكر عن يحيى بن سعيد ، عن الأعرج ، عن ابن بحينة - مثله بمعناه . وقد ذكرنا ابن بحينة في كتاب الصحابة بما فيه كفاية .

[ ص: 370 ] 5449 - وفي هذا الحديث بيان أن أحدا لا يسلم من الوهم والنسيان ; لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى .

5450 - وقد يكون ذلك منه - عليه السلام - ليسن لأمته كما جاء عنه : " إني لأنسى أو أنسي لأسن " .

5451 - وفي هذا الحديث من الفقه أن المصلي إذا لم يجلس في اثنتين ، وقام ، واعتدل قائما - لم يكن له أن يرجع .

5452 - وإنما قلنا : واعتدل قائما ; لأن الناهض لا يسمى قائما حتى يعتدل ; فالقائم هو المعتدل .

5453 - وفي حديث مالك في هذا الباب : ثم قام ، ولم يجلس .

5454 - وإنما قلنا : إنه لا ينبغي له إذا اعتدل قائما أن يرجع إلى الجلوس ; لأنه معلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتدل قائما لا يخلو أمره من أن يذكر بنفسه أو يذكره من خلفه بالتسبيح ، ولا سيما قوما قد قيل لهم : " من نابه شيء في صلاته فليسبح " ، وهم أولو النهي ، وأولى من عمل بما حفظ ووعى .

5455 - وأي الحالين كان فلم ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجلوس بعد قيامه ذلك ; فمن هاهنا قلنا : لا ينبغي لمن اعتدل قائما أن ينصرف إلى الجلوس .

5456 - وقد روى المغيرة بن شعبة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قام من اثنتين واعتدل فسبحوا به ، فلم ينصرف ، وتمادى في صلاته ، ثم سجد لسهوه ، وفعل ذلك [ ص: 371 ] المغيرة ، وسبحوا به فلم يرجع ، وقال لهم : كذلك صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

5457 - وعن سعد بن أبي وقاص مثل حديث المغيرة سواء .

5458 - وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد .

5459 - فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء ; لأنه رجع إلى أصل ما كان عليه ، وسهوه في قيامه متجاوز عنه .

460 - وقد بان بالسنة أن الزائد في صلاته ساهيا غير مفسد لها ، والذي يقصد إلى عمل يظن أنه قد أسقطه من صلاته أحرى بذلك .

5461 - وقد قال بعض المتأخرين : تفسد صلاته . وهو قول ضعيف لا وجه له .

5462 - واختلف العلماء في هذه المسألة :

5463 - فقال مالك : من قام من اثنتين تمادى ولم يجلس ، وسجد قبل السلام على حديث ابن بحينة هذا .

5464 - فإن عاد إلى الجلوس بعد قيامه فصلاته تامة ، وتجزيه سجدتا السهو .

5465 - قال ابن القاسم وأشهب : يسجدهما بعد السلام ; لأنه زاد في صلاته القيام والانصراف .

5466 - وقال علي بن زياد : يسجدهما قبل السلام .

5467 - وقد روى عن أشهب ; لأنه قد وجب ذلك عليه في قيامه ، ورجوعه إلى الجلوس زيادة ، فكأنه زاد ونقص .

[ ص: 372 ] 5468 - قال أبو عمر : قول ابن القاسم وأشهب أولى بالصواب على أصل مالك ، إلا أن السجود في الزيادة قبل السلام قد مضى ما جاء فيه في الباب قبل هذا .

5469 - وقال الشافعي : إذا ذكر ولم يستتم قائما لم يرجع .

5470 - وهو قول علقمة ، والأسود ، وقتادة ، والضحاك ، والأوزاعي .

5471 - وفي قول الشافعي : إذا رجع إلى الجلوس سجد سجدتي السهو ، والسجود عنده قبل السلام .

5472 - وفي قول علقمة والأسود : لا يسجد إن رجع إلى الجلوس ، كأنهما يقولان : لم ينقص شيئا فيجبره .

5473 - والنبي - عليه السلام - قد أكمل صلاته يوم ذي اليدين ، وسجد ، [ ص: 373 ] وصلى خمسا ، وسجد ; فدل أن السجود للسهو لا للنقصان .

5474 - وقال حسان بن عطية : إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى .

5475 - وقال الحسن البصري : ينصرف ويقعد وإن قرأ ، ما لم يركع .

5476 - قال أبو عمر : قد روى سفيان الثوري عن جابر الجعفي ، عن المغيرة بن شبيل ، عن قيس بن أبي حازم ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس ، فإن استوى قائما فلا يجلس ، وسجد سجدتي السهو " .

5477 - ذكره أبو داود ، وقال : ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث .

5478 - قال أبو عمر : في حديث ابن بحينة هذا وحديث المغيرة بن شعبة عن النبي - عليه السلام - دليل على صحة ما ذهب إليه أصحابنا ومن قال بقولهم في أن الجلسة الوسطى سنة لا فريضة ; لأنها لو كانت من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنها إليها حتى يأتي بها .

5479 - كما لو ترك سجدة أو ركعة ، ولروعي فيها ما يراعى في السجود [ ص: 374 ] والركوع من الموالاة والرتبة .

5480 - وقد سبح برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرجع إليها ، وسجد لسهوه .

5481 - وفي حديث ابن بحينة أنه علم بها فلم يقضها ، وسجد لسهوه عنها ، ولو كانت فرضا لم يسقطها النسيان والسهو ; لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد ، إلا في المأثم .

5482 - وقد ذهب آخرون إلى أن الجلسة الوسطى فرض ، وأنها مخصوصة من بين سائر فروض الصلاة بأن ينوب عنها السجود : كالعرايا من المزابنة ، وكسقوط بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا ، وبأنها لا يقاس عليها شيء من أعمال البدن في الصلاة ; فدل على خصوصها .

5483 - واحتجوا بأنها لو كانت سنة ما كان العامد لتركها تبطل صلاته كما [ ص: 375 ] لا تبطل بترك سنن الصلاة إذا أتى بفرائضها ، وبما أجمعوا عليه في سائر أعمال البدن أنها فرض في الصلاة من أولها إلى آخرها : من قيام ، وقعود ، وركوع ، وسجود .

5484 - والقول الأول أصح من جهة الأثر والنظر - إن شاء الله - .

5485 - وقد أوضحنا معنى القولين وما اخترنا من ذلك مع سائر معاني هذا الباب في التمهيد . والحمد لله .

[ ص: 376 ] 5486 - وشذت فرقة; فأوجبتها فرضا ، وأوجبت الرجوع إليها ما لم يعمل المصلي بعدها ما يمنعه من الرجوع إليها . وذلك عند ركعته التي قام إليها برفعه رأسه منها .

5487 - وقولهم هذا ليس بشيء ; لأن الفرض من عمل البدن في الصلاة ينصرف إليه ، ويرتب مع ما بعده ، ولا يسلم من الصلاة إلا أن يؤتى به مع الذكر .

5488 - وهذا أيضا مردود بالسنة في حديث ابن بحينة وغيره ; فلا وجه للاشتغال به .

5489 - واختلفوا في الجلسة الأخيرة : هل هي فرض أيضا أم لا ; فذهب جمهور أهل العلم وجماعة فقهاء الأمصار إلى أنها فرض واجب ، تفسد صلاة من لم يأت بها ساهيا كان أو عامدا ، إلا فرقة صغيرة منهم ابن علية ; فإنه ذهب إلى أن الجلسة الآخرة ليست بفرض واجب ، قياسا على الجلسة الوسطى .

5490 - واحتج بحديث ابن بحينة وغيره في القيام من اثنتين .

5491 - وبحديث عبد الله بن عمرو عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته " .

5492 - وهذا لفظ لا يصح في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - عليه السلام - ، ولا هذا الحديث يصح أصلا ; لأنه انفرد به الإفريقي عبد الرحمن بن زياد ، لم يروه غيره ، وليس بحجة فيما يرويه وينفرد به عند الجميع ; لضعفه في نقله .

5493 - وهذا اللفظ في رفع الرأس من آخر الصلاة إنما هو مروي عن علي ، وقال به طائفة .

[ ص: 377 ] 5494 - والمحفوظ في حديث عبد الله بن عمرو من رواية الإفريقي أن النبي - عليه السلام - قال : " إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته " .

5495 - وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس .

5496 - وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه نقلا ، وهو قوله - عليه السلام - : " تحليلها التسليم " ، والحجة في السنة لا فيما قال .

5497 - والجمهور حجة على من شذ منهم ; لأنه لا يجوز على جميعهم جهل ما علمه الشاذ المنفرد .

5498 - على أن ابن علية يوجب فساد صلاة من لم يأت بأعمال الصلاة : سننها وفرائضها ، وكل ما عمله النبي - عليه السلام - في الصلاة عنده ، ولم يختلف عنه فيه - فهو واجب عنده ، تفسد الصلاة بتركه .

5499 - وله إغراق في القياس وشذوذ عن العلماء كثير . وليس عندهم ممن يعتمد عليه . والله أعلم .

5500 - وأما اختلاف العلماء في سجود السهو فقال ابن شهاب ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، والأوزاعي ، [ ص: 378 ] والليث بن سعد ، والشافعي - : السجود كله قبل السلام .

5501 - وروي هذا القول عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، والسائب بن السائب ، وعبد الله بن الزبير ، ومعاوية .

5502 - وبه قال مكحول .

5503 - والحجة لقائلي هذا القول ما تقدم في هذا الباب والباب الذي قبله من سجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قام من اثنتين ، وحين أمر بالبناء على اليقين من حديث أبي سعيد ، وابن عباس ، وعبد الرحمن بن عوف - قبل السلام في الوجهين جميعا ، والبناء على اليقين ليس فيه نقصان .

5504 - حدثني خلف بن القاسم ، قال : حدثنا أبو الميمون ، حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا أبو مسهر عن محمد بن مهاجر ، عن أخيه عمرو بن مهاجر أن الزهري قال لعمر بن عبد العزيز : السجدتان قبل السلام ؟ فقال له : أبى ذلك علينا أبو سلمة بن عبد الرحمن يا زهري .

5505 - وحدثنا خلف ، حدثنا أبو الميمون ، حدثنا أبو زرعة ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، قال : أخبرني محمد بن عجلان أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز صلى للناس المغرب ، فسها ، فنهض من ركعتين ، فقال الناس : سبحان الله ، فلم يجلس . فلما فرغ من صلاته ، سجد سجدتين بعد السلام ، ثم انصرف ، فسأل ابن شهاب ، فقال : أصبت - إن شاء الله - ، والسنة على غير الذي صنعت ، فقال له عمر : كيف ؟ قال : تجعلهما قبل السلام ، قال [ ص: 379 ] عمر : إني قلت : إنه دخل علي ، ولم يدخل عليهم ، فقال ابن شهاب : ما دخل عليك دخل عليهم .

5506 - قال سفيان الثوري ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة وأصحابه : السجود كله بعد السلام .

5507 - وروي ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمار بن ياسر ، وعمران بن حصين ، والمغيرة بن شعبة ، والضحاك بن قيس .

5508 - واختلف في ذلك عن ابن عباس ، وابن الزبير ، ومعاوية ، وبه قال الحسن البصري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعمر بن عبد العزيز ، وإبراهيم النخعي ، وابن أبي ليلى .

5509 - وحجتهم في القيام من اثنتين حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين ، وسجد بعد السلام .

5510 - وحديث ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام إذ صلى خمسا ، ونحو ذلك مما قد ذكرنا في الباب قبل هذا .

5511 - وقال مالك وأصحابه : كل سهو كان نقصانا في الصلاة فالسجود له قبل السلام على حديث ابن بحينة في هذا الباب ، وكل سهو كان زيادة فالسجود له بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين .

5512 - وقد ذكرنا قول ابن حنبل في الباب قبل هذا ، وقول داود أيضا . وحديث ابن بحينة عند ابن حنبل أصح من حديث المغيرة ، وبه يقول في القيام من اثنتين .

[ ص: 380 ] 5513 - وحديث المغيرة يدور على ابن أبي ليلى ، وليس بالحافظ ولا ممن يحتج به فيما خولف فيه .

5514 - وقد أوضحنا معاني هذا الباب في التمهيد . والحمد لله .

5515 - واختلف الفقهاء أيضا في التشهد في سجدتي السهو والسلام منهما :

5516 - فقالت طائفة : لا تشهد فيهما ولا تسليم . وروي ذلك عن أنس ، [ ص: 381 ] والحسن البصري ، ورواية عن عطاء .

5517 - وهو قول الأوزاعي والشافعي ; لأن السجود كله عندهما قبل السلام ، فلا وجه عندهما لإعادة التشهد .

5518 - وقد روي عن عطاء : إن شاء تشهد وسلم ، وإن شاء لم يفعل .

5519 - وأما الشافعي فيرى التشهد فيهما واجبا ، حكاه البويطي عنه .

5520 - وهو ممن يقول : هما قبل السلام .

5521 - وقال آخرون : يتشهد فيهما ولا يسلم ، قاله يزيد بن قسيط ، ورواية عن الحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان ، وإبراهيم النخعي .

5522 - وقال آخرون : فيهما تشهد وتسليم . روي ذلك عن ابن مسعود ، وإبراهيم النخعي ، والحكم ، وحماد .

5523 - وبه قال مالك وأكثر أصحابه ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والليث بن سعد .

5524 - وقال أحمد بن حنبل : إن سجد قبل السلام لم يتشهد ، وإن سجد بعد السلام تشهد .

5525 - وبهذا قالت طائفة من أصحاب مالك ، ورووه أيضا عن مالك .

5526 - وقال ابن سيرين : يسلم منهما ، ولا يتشهد فيهما .

5527 - قال أبو عمر : من رأى السلام فيهما فعلى أصله من تسليمة واحدة أو تسليمتين .

5528 - وقد صح عن النبي - عليه السلام - أنه سلم من سجدتي السهو في حديث عمران بن حصين ; إذ سلم من ثلاث ، ثم سجد بعد السلام .

[ ص: 382 ] 5529 - وهو حديث صحيح ثابت .

5530 - ومن رأى السجود قبل السلام فلا يحتاج إلى هذا ; لأن السلام من الصلاة هو السلام على ما في حديث ابن بحينة في هذا الباب .

5531 - وأما التشهد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي - عليه السلام - .

5532 - وأما التكبير في الخفض والرفع فمحفوظ ثابت في حديث ابن بحينة من رواية ابن شهاب وغيره .

5533 - وقد ذكرنا طرقه عن ابن شهاب في " التمهيد " . وفيما وصفنا من رواية الثقات من أصحاب ابن شهاب عنه ، عن الأعرج ، عن ابن بحينة ، وفي حديث أبي هريرة يوم ذي اليدين - مثل ذلك ، وقد مضى في بابه . والحمد لله .

5534 - وأما اختلاف العلماء في حكم الجلوس الآخر في الصلاة وما الفرض في ذلك - فعلى خمسة أقوال :

5535 - ( أحدها ) : أن الجلسة الآخرة فرض ، والتشهد فرض ، والسلام فرض .

5536 - وممن قال بذلك الشافعي وأصحابه ، وأحمد في رواية ، وداود .

5537 - وكذلك حكى أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة .

5538 - وحجتهم أن بيانه عليه السلام في الصلاة فرض ; لأن الأصل فرضها مجمل مفتقر إلى البيان ، فكل ما عمله - عليه السلام - فيها فرض ، إلا ما قام [ ص: 383 ] الدليل على أنه سنة لا فرض .

5539 - واحتجوا بالإجماع على وجوب عدد الركعات فيها والسجود وغير ذلك مما هو واجب ببيان النبي - عليه السلام - له بفعله .

5540 - واحتجوا أيضا بقوله - عليه السلام - : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، وبأشياء يطول ذكرها .

5541 - ( والقول الثاني ) أن الجلوس فيها فرض ، والسلام فرض واجب ، وليس التشهد بواجب .

5542 - وممن قال ذلك مالك وأصحابه ، وأحمد بن حنبل في رواية .

5543 - وحجتهم أن عمل اليدين كله فرض ; للإجماع على فرض القيام والركوع والسجود ، فكذلك كل عمل البدن ، إلا ما خرج بدليل ، وهو الجلسة الوسطى .

5544 - ومن حجتهم أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج قط من صلاة إلا بالتسليم ، وقال : " تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم " ، وقام من اثنتين ولم يتشهد ، فسقط التشهد لذلك .

5545 - ولأنه ذكر ولا شيء من الذكر واجب غير تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن والتسليم .

5546 - ( والقول الثالث ) أن الجلوس مقدار التشهد فرض ، وليس التشهد ولا التسليم بواجب فرضا .

5547 - وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه ، وجماعة من الكوفيين ، [ ص: 384 ] واحتجوا بنحو ما تقدم في بيان عمل الصلاة وعمل البدن بحديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي : أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا جلس الرجل في آخر صلاته ، فأحدث قبل أن يسلم ، فقد تمت صلاته " . وهكذا رواه ابن المبارك عن الإفريقي ، وهو أثبت من رواه عنه .

5548 - ( والقول الرابع ) أن الجلوس والتشهد واجبان ، وليس السلام بواجب .

5549 - قاله جماعة ، منهم إسحاق بن راهويه .

5550 - واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد ، وقال له : " إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك ، وقضيت ما عليك " .

5551 - ( والقول الخامس ) : أن ليس الجلوس فيها ولا التشهد ولا السلام بواجب ، وإنما ذلك كله سنة مسنونة ، وهذا قول بعض البصريين ، وإليه ذهب ابن علية ، وصرح بقياس الجلسة الآخرة على الأولى ، فخالف الجمهور وشذ ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله .

5552 - واحتج برواية من روى في حديث الإفريقي بإسناده المذكور : " إذا رفع رأسه وأحدث ولم يذكر جلوسا " .

5553 - وهو حديث لا حجة فيه ; لضعفه واختلافهم أيضا في لفظه . وبالله التوفيق ، لا شريك له .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث