الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كراهية السخب في السوق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2018 [ ص: 291 ] 50 - باب: كراهية السخب في السوق

2125 - حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة . قال أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال . وقال سعيد ، عن هلال عن عطاء ، عن ابن سلام : غلف : كل شيء في غلاف ، سيف أغلف ، وقوس غلفاء ، ورجل أغلف : إذا لم يكن مختونا . [4838 - فتح : 4 \ 342]

التالي السابق


ذكر فيه حديث فليح ، ثنا هلال ، عن عطاء بن يسار : لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة . قال أجل ، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن . . . الحديث .

وفيه : (ولا سخاب في الأسواق) إلى آخره ، تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال ، وقال : سعيد عن هلال ، عن عطاء ، عن ابن سلام : غلف : كل شيء في غلاف ، سيف أغلف ، وقوس غلفاء ، ورجل أغلف : إذا لم يكن مختونا .

[ ص: 292 ] الشرح :

متابعة عبد العزيز أسندها البخاري فقال : حدثنا عبد الله ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال به ، وهو حديث تفرد به البخاري ، وعبد الله هذا قال ابن السكن : هو ابن مسلمة ، وقال أبو مسعود الدمشقي : هو عبد الله بن محمد بن رجاء . وقال الجياني : عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث وإلى ذلك أشار أبو مسعود ، على أن الحاكم أبا عبد الله قطع أن البخاري لم يخرج في "صحيحه" عن كاتب الليث . وقد روى البخاري في كتاب "الأدب" هذا الحديث عنه .

وأما قول سعيد بن هلال ، فأخرجه الطبراني في "معجمه" ثنا المطلب بن شعيب ، ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن (سعيد بن أسامة) ، عن هلال ، عن عطاء ، عن [ ص: 293 ] عبد الله بن سلام : إنا لنجد صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الحديث .

وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن جده ، ثم قال : حسن غريب .

والصخب عند أهل اللغة : الصياح ، قال صاحب "العين" : صخب صخبا ، إذا صاح ، ولم يذكره في حرف السين وهو في النسخ كما قدمناه بالسين ، ونقله ابن بطال عن بعض النسخ ، وقال أبو حاتم : أما ما كان مع الخاء فتجوز كتابته بالسين والصاد .

وبخط الدمياطي : الصخب بالسين والصاد : اختلاط الأصوات ، قال : وقيل : الصوت الشديد ، قيل : الفصيح بالصاد ، وهي بالسين لغة قبيحة لربيعة ، أعني : السخب ، وقال الفراء أيضا : هما لغتان .

قال ابن التين : والذي ذكره غيره من أهل اللغة بالصاد ، وهو في البخاري بالسين . ومعنى (أجل) : نعم .

وكان عبد الله بن عمرو كما روى البزار من حديث ابن لهيعة ، عن واهب عنه ، رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلا وفي الأخرى سمنا وكأنه يلعقهما ، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال "تقرأ الكتابين التوراة والقرآن" ، فكان يقرأهما .

[ ص: 294 ] وقوله : (شاهدا) أي : شاهدا بالإبلاغ ، وقيل : لمن أطاعه . وقيل : على تصديق من قبله من الأنبياء ، وقيل : مبشرا بالجنة ونذيرا من النار . روي عن ابن عباس : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا ومعاذا وقال : "يسرا ولا تعسرا ، فإنه قد أنزل علي الليلة : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [الأحزاب : 45] " .

(سميتك بالمتوكل) : بأن قد أيقن بتمام وعد الله وتوكل عليه .

وقوله : (وحرزا للأميين) أي : حافظهم وحافظ دينهم . يقال : أحرزت الشيء أحرزه إحرازا ، إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ . والأميون : العرب ; لأن الكتابة عندهم قليلة .

وقوله : (سميتك المتوكل) يعني : لقناعتك باليسير من الرزق ، واعتمادك علي في الرزق والنصر ، والصبر عند انتظار الفرج ، والأخذ بمحاسن الأخلاق ، واليقين بتمام وعد الله ، فتوكل عليه ، فسمي المتوكل .

وقوله : (ليس بفظ) أي : سيئ الخلق .

(ولا غليظ) : وهي الشدة في القول ، وهما حالتان مكروهتان .

[ ص: 295 ] وقول القائل لعمر : أنت أفظ وأغلظ . قيل : لم تأت هنا للمفاعلة بينه وبين من أشرك معه ، بل بمعنى : أنت فظ غليظ على الجملة لا على التفصيل .

والسخاب : الكثير الصياح والجلبة ، ولم يكن سخابا في سوق ولا غيره ، بل كان على خلق عظيم .

وفيه : ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصفة المذمومة من الصخب ، واللغط والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه ، والأيمان الحانثة ; ولهذا قال - عليه السلام - : "شر البقاع الأسواق" كما مضى لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة .

ومعنى (لا يدفع بالسيئة السيئة) : لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة ، لكن يأخذ بالفضل كما قال تعالى : ولمن صبر وغفر [الشورى : 43] وقال : ادفع بالتي هي أحسن [فصلت : 34] وسمى جزاء السيئة سيئة للمجاورة .

والمراد (بالملة العوجاء) أي : المعوجة ، ما كانوا عليه من عبادة الأصنام ، وتغيير ملة إبراهيم عن استقامتها ، وإمالتها بعد قوامها ، فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ووضحت أعلامه ، وأيد الله نبيه بالصبر والإنابة والسياسة في نفوس العالمين والتوكل على الله .

وقوله : (ويفتح بها أعينا عميا) كذا للأصيلي كما نقله ابن التين ، جعل عميا نعتا للأعين ، وهو جمع عمياء ، وفي بعض روايات [ ص: 296 ] الشيخ أبي الحسن : أعين عمي ، فأضاف أعين إلى عمي وهو جمع أعمى ، وكذلك الكلام في الآذان أيضا .

وقوله : (وقلوبا غلفا) فليس هو إلا جمع أغلف سواء كان مضافا أو غير مضاف ، وترك الإضافة فيه بين ، وذلك كله ممن قبل الإسلام وخرج من الكفر إلى الإيمان . وقرأ ابن عباس غلف -بضم اللام- كأنه جعله جمع غلاف ، وهي قراءة الأعرج وابن محيصن . قال ابن عباس : مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد .

وقوله : (غلف) كل شيء في غلاف يريد أنه مستور عن الفهم والتمييز ، وقال مجاهد : غلف : عليها غشاوة . وقال عكرمة : طابع .

وفي الحديث : مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض صفاته الشريفة -التي خصه الله تعالى وجبله عليها ، وقد وصفه الله تعالى في آخر سورة براءة نحو هذه الصفة .

وهذا الباب أخره ابن بطال بعد باب : بركة صاعه ، فاعلمه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث