الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث عشر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه

1609 [ ص: 477 ] حديث ثالث عشر لابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب مرسل ( متصل ) من وجوه

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة فقال الذي قضي عليه : كيف أغرم ما لا شرب ، ولا أكل ، ولا نطق ، ولا استهل ومثل ذلك يطل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما هذا من إخوان الكهان

التالي السابق


هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة ، عن مالك في موطئه مرسلا ، ولا أعلم أحدا وصله بهذا الإسناد إلا ما رواه أبو سبرة المدني ، عن مطرف عن مالك ، عن الزهري ، عن سعيد ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة . وما ذكره الدارقطني ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، وأحمد بن كامل القاضي ، قالا : حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد ، حدثنا أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى ، فألقت جنينا .

وقال ابن كامل أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فتعايرتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر ، فألقت جنينا ، وقالا : [ ص: 478 ] فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة عبد أو وليدة . هكذا رواه أبو قلابة ، عن أبي عاصم عن مالك ، وإنما في الموطأ حديث سعيد مرسل ، وحديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

وقد وصل حديث سعيد ثقات من أصحاب ابن شهاب ، وغيره وهو حديث اختصره مالك ، فذكر منه دية التي عليها الأمر المجتمع عليه ( عنده ) وترك قصة المرأة إذ ضربت فألقت الجنين المذكور ، لأن فيه من رواية ابن شهاب إثبات شبه العمد ، وإلزام العاقلة الدية ، وهذا شيء لا يقول به مالك ، لأنه وجد الفتوى والعمل بالمدينة على خلافه فكره أن يذكر في موطئه بمثل هذا الإسناد الصحيح ما لا يقول به ( ويقول به ) غيره ، وذكر قصة الجنين لا غير ، لأنه أمر مجتمع عليه في الغرة .

وهذا الحديث عند ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وعن أبي سلمة جميعا ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فطائفة من أصحابه يحدثون ( به ) عنه هكذا ( وطائفة يحدثون به عنه عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، ولا يذكرون أبا سلمة ) وطائفة يحدثون به عنه عن أبي [ ص: 479 ] سلمة ، عن أبي هريرة ، ولا يذكرون سعيدا ، ومالك أرسل عنه حديث سعيد هذا ووصل حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه لم يذكر قصة المرأة لا في حديث سعيد ( هذا ) المرسل ، ولا في حديث أبي سلمة واقتصر منهما على ذكر قصة الجنين وديته لا غير لما ذكرنا من العلة ، ولما شاء الله مما هو أعلم به .

والحديث محفوظ لأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن شهاب ( وغيره ولسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن شهاب ) وهو حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وجابر ، والمغيرة بن شعبة ، وأبو هريرة وحمل بن مالك بن النابغة ومحمد بن مسلمة إلا أن محمد بن مسلمة حديثه في الجنين لا غير ، ولسنا نذكر هاهنا إلا حديث أبي هريرة خاصة ، لأنه لم يرو مالك غيره .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا سعيد بن السكن ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ، قال : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ، وما في بطنها ، فاختصموا [ ص: 480 ] إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها ، قال البخاري ، وحدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ميراثها لبنيها وزوجها ، وأن العقل على عصبتها .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا وهب بن بيان ، وأبو السرح ، قالا : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن دية جنينها غرة عبد أو وليدة ، أو قضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معه ، فقال حمل بن النابغة الهذيلي : يا رسول الله ، كيف [ ص: 481 ] أغرم من لا شرب ، ولا أكل ، ولا نطق ، ولا استهل فمثل ذلك يطل ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما هذا من إخوان الكهان ، من أجل سجعه الذي سجع .

قال أبو داود : وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة في هذه القصة ، قال : ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ميراثها لبنيها ، والعقل على عصبتها .

قال أبو عمر :

فقد ذكرنا ما يجب من القول في قصة قتل المرأة ، والاختلاف في ذلك من جهة الأثر ، واختلاف العلماء في ديتها وقتلها ، وما لهم في شبه العمد من الأقاويل والوجوه في كتاب ( الأجوبة عن المسائل المستغربة ) فمن أراده نظر إليه وتأمله هناك ، ولم نذكر هاهنا شيئا من ذلك ، لأنه ليس في حديث مالك ذكر قتل المرأة ، وإنما فيه قصة الجنين ، ونحن نذكر ما للعلماء في ذلك من الأقوال والوجوه هاهنا وبالله عوننا وتوفيقنا .

فمن أحكام الجنين ما أجمع العلماء عليه ، ومنها ما اختلفوا فيه فمما أجمعوا عليه من ذلك أن الجنين إذا ضرب بطن أمه فألقته حيا ثم مات بقرب خروجه وعلم أن موته [ ص: 482 ] كان من أجل الضربة ، وما فعل بأمه وبه ، ففيه الدية كاملة ، وأنه يعتبر فيه الذكر والأنثى ، وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار ، وفي إجماعهم على ما ذكرنا دليل واضح على أن الذي قضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة عبد أو أمة كانت قد ألقته ( أمه ) ميتا ومع هذا الدليل نصان أحدهما من جهة الإجماع أن الغرة واجبة في الجنين إذا رمته ميتا وهي حية ، والنص الثاني ما في حديث سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة ، والمقتول في بطن أمه لا تطرحه إلا ميتا لا محالة ، وإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج ، فلا شيء فيه ، ولا حكم له وهذا أيضا إجماع لا خلاف فيه ، فإن ألقته ميتا وهي حية ، فالحكم ( فيه ) ما ثبتت به السنة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكر في هذا الحديث عبد أو أمة ، وقد كان للغرة أصل معروف في الجاهلية لمن لم يبلغ بشرفه أن يودي دية كاملة ، قال مهلهل بن ربيعة ، واسمه عدي ، وإنما قيل له مهلهل ، لأنه أول من أرق الشعر وقصده فيما ذكروا ، قال في قتل أخيه كليب بن ربيعة :


كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتل آل مره



يعني مرة بن هذيل بن شيبان بن ثعلبة ، وكان جساس بن مرة قتل كليب بن ربيعة التغلبي .

واختلف العلماء في الغرة وقيمتها فقال مالك : الغرة تقوم بخمسين دينارا ، أو ستمائة درهم نصف عشر دية [ ص: 483 ] الحر المسلم الذكر ، وعشر دية أمه الحرة ، وهو قول ابن شهاب وربيعة ، وسائر أهل المدينة ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، وسائر الكوفيين : قيمة الغرة خمسمائة درهم ، وهو قول إبراهيم ، والشعبي ، وقال مغيرة : خمسون دينارا ، وقال الشافعي : سن الغرة سبع سنين أو ثماني سنين ، وليس عليه أن يقبلها معيبة ، وقال داود : كل ما وقع عليه اسم غرة .

واختلفوا في صفة الذي تجب فيه الغرة ما هو ؟ فقال مالك : ما طرحته من مضغة ، أو علقة ، أو ما يعلم أنه ولد ، ففيه الغرة ، وقال الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء ، قال مالك : إذا سقط ، فلم يستهل صارخا ففيه الغرة ، وسواء تحرك أو عطس ففيه الغرة أبدا حتى يستهل صارخا ، ( فإن استهل صارخا ) ففيه الدية كاملة ، وقال الشافعي وسائر الفقهاء : إذا علمت حياته بحركة ، أو بعطاس ، أو باستهلال ، أو بغير ذلك مما تستيقن به حياته ، ثم مات ففيه الدية ( كاملة ) ، وجماعة فقهاء الأمصار يقولون في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ، ثم خرج ميتا بعد موتها : إنه لا يحكم فيه بشيء ، وأنه هدر إذا ألقته بعد موتها إلا الليث بن سعد وداود ، فإنهما قالا : إذا ضرب بطن المرأة وهي [ ص: 484 ] حية ، فألقت جنينا ميتا ففيه الغرة وسواء رمته بعد موتها أو قبل موتها ، اعتبرا حياة أمه في وقت ضربها ، وهو قول أهل الظاهر ، وأما سائر الفقهاء ، فإنهم اعتبروا حالها في وقت إلقائها للجنين ، فإن ألقته ميتا وهي ميتة ، فلا شيء فيه عندهم ، وإن ألقته ميتا وهي حية ، ففيه الغرة ، وأما إذا ألقته وهي حية فقد ذكرنا حكمه وأنه لا خلاف أن فيه الدية ، واحتج أبو جعفر الطحاوي على الليث بن سعد لسائر الفقهاء بأن قال : قد أجمعوا معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين ولم يسقط ، أنه لا شيء فيه ما لم يسقط فكذلك إذا أسقطته بعد موتها ، قال أبو جعفر : ولا يختلفون أيضا أنه لو ضرب بطن امرأة ميتة ، فألقت جنينا ميتا أنه لا شيء فيه فكذلك إذا كان الضرب في حياتها ثم ماتت ثم ألقته ميتا ، قال : فبطل بذلك قول الليث .

واختلفوا في الذي تجب عليه الغرة فقال مالك ، وأصحابه : هي في مال الجاني ، وهو قول الحسن بن حي ، ومن حجتهم في ذلك رواية من روى هذا الحديث فقال الذي قضي عليه : كيف أغرم ، وهذا يدل على أن الذي قضي عليه معين ، وأنه واحد وهو الجاني ، لا يعطي ظاهر هذا اللفظ غير هذا ، ولو أن دية الجنين قضي بها على العاقلة لقال في الحديث فقال ( الذين ) قضي عليهم ، وفي القياس إن كل جان جنايته عليه إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له مثل إجماع لا يجوز خلافه [ ص: 485 ] أو نص ، أو سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها فيجب الحكم بها ، وقد قال الله - عز وجل - : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي رمثة في ابنه : إنك لا تجني عليه ، ولا يجني عليك ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : الغرة على العاقلة ، ومن حجتهم ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحسن بن سلام السواق ، قال : حدثنا أبو عمر الحوضي ، عن شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة ، عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 486 ] فقال ( أحد الرجلين : كيف ) ندي من لا صاح ، ولا استهل ، ولا شرب ، ولا أكل ؟ فقال : أسجع كسجع الأعراب ؟ فقضى فيه بغرة وجعله على عاقلة المرأة ، وهذا نص ثابت صحيح في موضع الخلاف يوجب الحكم ، ولما كانت دية المضروبة على العاقلة كان أحرى بذلك في القياس ، والنظر .

وأجمع الفقهاء أن الجنين إذا خرج حيا ثم مات وكانت فيه الدية أن فيه الكفارة مع الدية ، واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا فقال مالك : فيه الغرة والكفارة إذا خرج ميتا ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي : إن خرج حيا ففيه الكفارة والدية ، وإن خرج ميتا ففيه الغرة ولا كفارة ، وهو قول داود بن علي ، وهذا على أصولهم التي قدمنا ذكرها أن تلقيه أمه وهي حية .

واختلفوا في كيفية ميراث الغرة في الجنين فقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما : الغرة في الجنين موروثة عن الجنين [ ص: 487 ] لأنها ديته على كتاب الله - عز وجل - واحتج الشافعي في ذلك بقوله في الحديث كيف أغرم من لا أكل ، ولا شرب ، ولا استهل ؟ قال : فالمضمون الجنين ، لأن العضو لا يعترض فيه بهذا ، وكان ابن هرمز يقول : ديته لأبويه خاصة لأبيه ثلثاها ولأمه ثلثها من كان منهما حيا كان ذلك له ، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أما لا يرث الإخوة منها شيئا ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : الغرة للأم ليس لأحد معها فيها شيء ، وليست دية ، وإنما هي بمنزلة جناية جني عليها ، فقطع عضو من أعضائها ( وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن ) ومن حجتهم في أنها ليست دية ، لأنه لم يعتبر فيها هل هو ذكر أو أنثى كما يلزم في الديات فدل على أن ذلك كالعضو ( ولهذا كانت ذكاة الشاة ذكاة لما في بطنها من الأجنة ، ولولا ذلك كانت ميتة ) وقول داود ، وأهل الظاهر في هذا كقول أبي حنيفة ، واحتج داود بأن الغرة لم يملكها الجنين فتورث عنه .

قال أبو عمر :

تدخل عليه دية المقتول خطأ ، هو لم يملكها وهي تورث عنه . وقول مالك ، والشافعي في هذه المسألة ( أولى ) وبالله العصمة والهدى .

[ ص: 488 ] وقد استدل قوم من أهل الحديث بأن الحياة فيه لا تعلم إلا بما ذكر من المعاني وهي الأكل ، والشرب ، والاستهلال ، والنطق لقوله كيف أغرم ما لا شرب ، ولا أكل ، ولا نطق ، ولا استهل ؟ وقد يحتمل أن يكون نزع بهذه ، لأنها أسباب الحياة وعلاماتها ، فكل ما علمت به الحياة كان مثلها ، وقد اختلف الفقهاء في المولود لا يستهل صارخا إلا أنه تحرك حين سقط من بطن أمه ، وعطس ونحو ذلك ، ولم ينطق ، ولا صرخ مستهلا فقال بعضهم : لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث إلا أن يستهل صارخا وممن قال ذلك ، مالك ، وأصحابه ، وقال آخرون : كل ما عرفت به حياته فهو كالاستهلال والصراخ ويورث ويرث ويصلى عليه إذا استوقنت حياته بأي شيء صحت من ذلك كله وهو قول الشافعي ، والكوفي ، وأصحابهم ، وفي هذا الحديث أيضا من المعاني إنكار الكلام إذا لم يكن في موضعه وكان جهلا من قائله ، وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية التسجيع إنما كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسجيع الهذلي في هذا الحديث ، لأنه كلام اعترض به قائله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتراض منكر ، وهذا لا يحل لمسلم أن يفعله وإنما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التغليظ عليه في الإنكار ، لأنه كان أعرابيا لا علم له بأحكام الدين ، فقال له قولا لينا وتلك شيمته - صلى الله عليه وسلم - أن لا ينتقم لنفسه ، وأن يعرض عن الجاهلين .

[ ص: 489 ] وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إنما هذا من إخوان الكهان دليل على أن الكهان كانوا كلهم يسجعون ، أو كان الأغلب منهم السجع ، وهذا معروف عن كهان العرب يغني عن الاستشهاد عليه ، وكل ما نقل عن شق وسطيح ، وغيرهما من كهان العرب في الجاهلية فكلام مسجع ( كله ) وإنما ينكر على الإنسان الخطيب ، أو غيره في المتكلمين أن يكون كلامه ( كله ) تسجيعا ، أو أكثره وأما إذا كان السجع أقل كلامه ، فليس بمعيب بل هو مستحسن محمود ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أنه ) قال في بعض جراحاته :


هل أنت إلا أصبع دميت     وفي سبيل الله ما لقيت



وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :


أنا النبي لا كذب     أنا ابن عبد المطلب



وقال - صلى الله عليه وسلم - :


اللهم لا عيش إلا عيش الآخره     فاغفر للأنصار والمهاجره

[ ص: 490 ] ومثل هذا كثير عنه . وعن أصحابه - رضي الله عنهم - وهذا دليل على أن السجع كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح ، وكذلك الشعر كلام منظوم ، فالحسن منه حسن وحكمة ، والقبيح منه ومن المنثور غير جائز النطق به عصمنا الله برحمته .

أخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن جندب ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غار فنكبت أصبعه فقال : [ ص: 491 ]

هل أنت إلا أصبع دميت     وفي سبيل الله ما لقيت



وقال - صلى الله عليه وسلم - : كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع أعوذ بك يا رب من شر هذه الأربع ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة ومثل هذا كثير ، وفيه دليل على أن حسن السجع حسن وقبيحه قبيح كسائر الكلام المنظوم والمنثور ، وأما جنين الأمة ، فاختلاف العلماء فيه لا يشبه اختلافهم في جنين الحرة ، فأما مالك ، وأهل المدينة ، والشافعي ، ومن قال بقولهم فقالوا في جنين الأمة : إن وقع ميتا من حصول الضارب لأمه ، ففيه عشر قيمة أمه ذكرا كان أو أنثى ، وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : إن كان جنين الأمة غلاما ففيه نصف عشر قيمة نفسه لا قيمة أمه ، فإن كانت أنثى فعشر قيمتها ( نفسها ) لو كانت حية ، أو كان حيا ، وقال داود : لا شيء في جنين الأمة . وللتابعين في ذلك أقاويل [ ص: 492 ] متقاربة سأذكرها إن شاء الله في غير هذا الكتاب وبالله التوفيق .

( حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان ، حدثنا أحمد بن شعيب النسوي ، قال : أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق ، قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن إسرائيل عن مغيرة ، عن إبراهيم في امرأة عالجت نفسها حتى أسقطت فقال : تعطي أباه غرة ) .

انتهى الجزء السادس من ( ( التمهيد ) ) ويتلوه الجزء السابع ، وأوله : حديث رابع عشر لابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث