الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى

224 5615 - وفي حديث هذا الباب الذي رواه مالك عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :

195 - " إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان ، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس .

التالي السابق


5616 - فأخبر أن الشيطان لبس عليه ; فلذلك يرغمه بالسجدتين ; لأنه يقال : ليس على الشيطان عمل أثقل ولا أصعب من سجود ابن آدم لربه ، وذلك - والله أعلم - لما لحقه من سخط الله عند امتناعه من السجود لآدم ، وإنما جاز لهذا ومن كان مثله سجود السهو عند البناء على يقينه ; لأنه شيء لا ينفك عنه ، يعتريه أبدا ، ولا يؤمن عليه فيما يقضيه أن ينوبه مثل ما نابه ; إذ قد علم من نفسه أنه لا يسلم من الوسوسة في ذلك .

[ ص: 400 ] 5617 - ولذلك أردف مالك حديثه المسند في هذا الباب بما بلغه عن القاسم بن محمد أن رجلا سأله ، فقال : إني أهم في صلاتي ، فيكثر ذلك علي ، فقال القاسم : امض في صلاتك ، فإنه لن يذهب عنك حتى تنصرف وأنت تقول : ما أتممت صلاتي .

5618 - قال أبو عمر : هذا عندي فيمن يغلب عليه أنه يعتريه ذلك مع إتمام صلاته ، وأن تلك الوسوسة قد علم من نفسه فيها أنها تعتريه ، وقد أكمل ما عليه من العمل في الأغلب ، وأنه لا ينفك منها ، والأغلب عنده أنها وسوسة تنوبه مع حاله تلك ، ولم يكن يعرف من نفسه قبل أن يعتريه ذلك إلا الإتمام . والله أعلم .

5619 - وأما من كان الأغلب عليه أنه لم يكمل صلاته فالحكم فيه أن يبني على يقينه ، فإن اعتراه ذلك فيما يبني - لها أيضا عنه على ما جاء عن القاسم وغيره . ويدلك على أن حديث هذا الباب غير حديث البناء على اليقين أن أبا سعيد الخدري هو الذي روى فيمن لم يدر : أثلاثا صلى أم أربعا - أن يصلي ركعة وهو على البناء على اليقين في أصل فرضه ألا يخرج عنه إلا بيقين .

5620 - وقد ذكرنا في الباب قبل هذا عند ذكر حديث مالك عن زيد بن أسلم في البناء على اليقين - من قال من العلماء بالتحري في معنى هذا الحديث أيضا ، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا .

[ ص: 401 ] 5621 - وقد روى أبو سعيد عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " إذا صلى أحدكم فلم يدر أزاد أم نقص ; فليسجد سجدتين وهو قاعد ، فإذا أتاه الشيطان ، فقال : إنك أحدثت ، فليقل : كذبت ، إلا أن يجد ريحا بأنفه ، أو صوتا بأذنه " .

5622 - رواه يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض ، عن أبي سعيد الخدري . وقد أسندناه في التمهيد .

5623 - فهذا أبو سعيد الخدري قد روى في هذا المعنى مثل ما روى أبو هريرة ، وحصل في ذلك عن أبي سعيد حديثان .

5624 - ومحال أن يكون معناهما واحدا باختلاف ألفاظهما ، بل لكل واحد منهما موضع ، وهو ما ذكرنا من أن هذا في الذي يعتريه الشك دأبا لا ينفك منه قد استنكحه ، ومع ذلك فقد أتم في أغلب ظنه عند نفسه .

5625 - والحديث الآخر على من لم يدر : أثلاثا صلى أم أربعا - مثل حديث عبد الرحمن بن عوف .

5626 - وقد ذكرنا أسانيدها كلها في التمهيد .

5627 - وبمعنى ما ذكرنا فسر الليث بن سعد حديث هذا الباب ، حكاه عنه ابن وهب ، وهو قول مالك وأصحابه .

5628 - وذكر عيسى بن دينار في كتاب الصلاة من كتاب " المدونة " عن ابن القاسم ، عن مالك ، قال : إذا كثر السهو على الرجل ، ولزمه ذلك ، ولا يدري أسها أم لا - سجد سجدتي السهو بعد السلام .

[ ص: 402 ] 5629 - ثم قيل لابن القاسم : أرأيت رجلا سها في صلاته ، ثم نسي سهوه ، فلا يدري ، أقبل السلام أم بعده ؟

5630 - قال : يسجد قبل السلام .

5631 - قال أبو مصعب : من استنكحه السهو فليله عنه ، وليدعه ، ولو سجد بعد السلام لكان حسنا .

5632 - ومذهب الشافعي فيمن وصفنا حاله أن يسجد قبل السلام ، ولا حرج عند مالك وأصحابه لو سجد قبل السلام .

5633 - وقد ذكرنا في التمهيد من قال من أصحاب ابن شهاب في هذا الباب : فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين قبل السلام . وذكرنا حديث عبد الله بن جعفر عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث