الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسيلة الأولى العمل على تغيير ما بالأنفس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الوسيلة الأولى

العمل على تغيير ما بالأنفس

تأتي هذه الوسيلة انطلاقا من القاعدة القرآنية الذهبية في إصلاح المجتمع: ( ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ) (الرعد:11).

فقد أولى القرآن عظيم اهتماما وكبير عناية لتغيير ما بالأنفس، وليس هنالك كتاب كالقرآن يؤثر في النفوس، ويأخذ بمجامع القلوب، ويعيد صياغة العقول.

فالقرآن لا يقتصر دوره على الإرشاد والتعريف فقط، ولكن يمتد دوره إلى الصياغة وإعادة التشكيل، والفرق بين الأمرين كبير، فكم من التوجيهات والإرشادات التي قد يسمعها الإنسان دون أن يكون لها أدنى تأثير في سلوكه، أما القرآن فهو بأسلوبه المعجز المتفرد يعيد صياغة شخصية الإنسان فكرا ومشاعر وسلوكا، ليجعل منه بحق خليفة في الأرض.

إن حركة الإنسان أي إنسان في هذه الحياة تظل محكومة بقناعاته وتصوراته وآرائه الشخصية، فإذا أردنا أن نحدث تعديلا أو تغييرا في مسار حياته، فالخطوة الأولى لذلك هي أن نعمل على تغيير أو تعديل أفكاره وقناعاته التي ينطلق منها.

ولقد أولى القرآن عنايته الكبيرة لمسألة الإقناع العقلي، وكل من يقبل على القرآن طالبا للهداية فإنه سيجد فيه الأجوبة الشافية عن كل ما يتردد [ ص: 57 ] في عقله، ويحيك في صدره، من شكوك وتساؤلات حول قضايا الربوبية والوحدانية، ومبدأ الخليقة، والموت، وما بعد الموت .. وغيرها من القضايا التي شغلت العقل الإنساني قديما وحديثا، وستظل محل انشغاله وتساؤلاته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والقرآن لا يقدم أجوبته عن تلك القضايا تقديما خبريا مجردا، ولكنه يأتي بالأدلة العقلية الواضحة والمقنعة، ولو أخذنا كمثال على ذلك قضية الوحدانية فسوف نجد القرآن يخبرنا أن الله واحد لا شريك له، ويقدم الأدلة والبراهين العقلية على ذلك، في مثل قوله سبحانه:

- ( ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ) ) (الأحقاف:4).

- ( ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) ) (الأنبياء:21-24).

- ( ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ) ) (الإسراء:42-43). [ ص: 58 ]

والذي يتأمل في القرآن يجد أنه ينوع الأدلة على القضية الواحدة، ويتحدث عنها المرات الكثيرة المتعددة، وما ذلك إلا لأن القرآن يخاطب (الشعور) و (اللاشعور)، فالعقل الإنساني يستقبل المعلومة بجزئه الواعي المدرك الذي يسميه العلماء بـ (الشعور) فإذا ما اقتنع العقل المدرك بالفكرة سمح لها أن تمر إلى (اللاشعور). و (اللاشعور) أو ما يسمى بالعقل الباطن هو منطقة العلم اليقيني الراسخ عند الإنسان، وعنه تصدر الأفعال السلوكية بصورة تلقائية. ويقول علماء النفس: إن حوالي 60% من سلوكنا اليومي ومن أفعالنا مصدرها اللاشعور [1] .

فالأفكار إذن تعبر من (الشعور) إلى (اللاشعور)، فإذا استقرت في (اللاشعور) فإن الأفعال تصدر حينئذ عن الإنسان بصورة تلقائية؛ والتكرار هو الذي يرسخ الأفكار في (اللاشعور).

وطريقة القرآن هي أنه «يعيد تشكيل العقل ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه من خلال مخاطبته له بأساليب شتى، مما يؤدي إلى إقناعه بما يحمل من أفكار، فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلى منطقة اللاشعور، وتترسخ فيها من خلال تكرارها في السور والآيات لتشكل بعد ذلك بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها» [2] . [ ص: 59 ]

والتغيير المنشود يستلزم بالإضافة إلى إعادة تشكيل العقل: دخول الإيمان في القلب، وتقويته في مواجهة الهوى، والعمل الدائم على زيادته حتى يسيطر تماما على المشاعر القلبية.

فالإيمان محله القلب، وهو تصديق القلب لحقائق العقل، وانفعاله بتلك الحقائق، ومن ثم ظهور أثر ذلك التأثر والانفعال على الجوارح؛

قال تعالى: ( ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ) ) (الحجرات:14).

فبعد الاقتناع العقلي يأتي دور الرضا القلبي، ولإحداث التغيير المطلوب في السلوك لا بد من إصغاء القلب لصوت العقل،

قال تعالى: ( ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) ) (التحريم:4).

أي: مالت قلوبكما لصوت العقل وارتضته فكانت التوبة [3] .

والقلب كما يصغي للحق فهو أيضا قد يصغي للباطل،

قال تعالى: ( ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) ) (الأنعام:113).

والتغيير الإيجابي لا بد فيه من الاقتناع العقلي بالأفكار الصحيحة، والإصغاء القلبي المشتمل على القبول والرضا، وإصغاء القلب أمر في غاية الأهمية؛ لأن العقل قد يقتنع بقضية ما، ولكن القلب لا يمضي في تنفيذ [ ص: 60 ] مقتضى ذلك الاقتنـاع، والسبب في ذلك هـو اتباع القـلب للهوى، الذي يحـول بينه وبين الإصغـاء لقناعة العقل ورضاه بها،

قال تعالى: ( ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ) (القصص:50)؛

«والهوى هو: اتجاه المشاعر لما تميل إليه النفس من شهوات حسية أو معنوية» [4] .

وإذن ففساد السلوك كما يعكس فساد الفكر يعكس أيضا قوة سلطان الهوى على المشاعر، والطريقة الصحيحة لمعالجة انحراف السلوك تكمن في تصحيح الأفكار والمفاهيم أولا، وفي تقوية الإيمان ومعانيه في القلب وإضعاف داعي الهوى والشهوات ثانيا.

والقرآن في كل سوره وآياته يخاطب العقل والقلب معا، ويعمل على إحياء التجاوب بين العقل والقلب؛ لأن ذلك التجاوب هو الذي يصنع التغيير في داخـل النفس الإنسانية، ومن ثم ينتقل التغيير من عالم النفس الذي هو: عالم الأفكار والمشاعر، إلى عالم السلوك والأشياء،

كما قال سبحانه وتعالى: ( ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ) (الرعد:11). [ ص: 61 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث