الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسيلة الرابعة العمل على تكوين الرأي العام الفاضل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الوسيلة الرابعة

العمل على تكوين الرأي العام الفاضل

في المجتمع والمحافظة عليه

ومن وسائل القرآن في إصلاح المجتمع أنه يعمل على تكوين وإيجاد رأي عام فاضل في المجتمع، يبعث على السلوك الحسن، وينفر من السلوك السيئ، ويسـاعد على تنمية جوانب الخير في المجتمع وإعلائها، ومحاصرة جوانب الشر وإضعافها.

والمتأمل في الخطاب القرآني يجد أنه بالقدر الذي يسعى فيه إلى صناعة وتكوين الرأي العام الفاضل في المجتمع؛ فإنه يسعى أيضا إلى الرأي العام من كل ما يفسده أو يلوثه.

وخطة القرآن في ذلك تقوم على ركيزتين أساسيتين:

- الركيزة الأولى: تكوين الرأي العام الفاضل بالطرق المستمر المتعدد الجوانب على القضايا المراد تكوين رأي عام حولها

فمن المعلوم أن الطرق المستمر على قضايا بعينها، وتناولها من زوايا كثيرة، وجوانب متعددة، يولد رأيا عاما حولها، لا سيما عندما تطرح بقوة، ويدعم الطرح بالشواهد والأدلة. [ ص: 99 ]

وإذا تأملنا في القرآن سنجد أنه يتناول بعض القضايا والموضوعات مرارا وتكرارا؛ ولا شك أن من أهداف ذلك التكرار تكوين رأي عام فاضل حولها يستحسن الحسن ويستقبح القبيح، وينفعل بذلك الاستحسان والاستقباح؛ لتكون ثمرة ذلك إتيان الفعل الحسن، والكف عن السلوك السيئ.

والقضـايا والموضوعات التي استهدف القرآن إيجـاد رأي عـام فاضل حولها

في المجتمع كثيرة: كالصدق، والأمانة، والوفاء، والعدل، وكتحريم الشرك، والظلم والكذب، والنفاق، والخيانة.. إلخ

ولو ذهبنا نتتبع تلك الموضوعات التي عمل القرآن على تكوين رأي عام فاضل حولها في المجتمع، ونستعرض ما جاء فيها من الآيات فإن الأمر سيطول بنا، ولكن حسبنا أن نذكر مثالين على ذلك:

المثال الأول: رعاية ومساعدة الفئات الضعيفة في المجتمع:

فمن القضايا التي اعتنى القرآن بتكوين رأي عام حولها: قضية مساعدة الفقراء، والمساكين، والأيتام، والمحرومين، أولئك الذين يشكلون الحلقة الأضعف ماديا واجتماعيا في جميع المجتمعات.

والآيات القرآنية التي تطرق مسامع المجتمع المسلم حول هذه القضية كثيرة ومتنوعة وثرية في دلالاتها ومعانيها، من ذلك:

- أن القرآن يقرن مد يد العون إلى الآخرين، ومساعدة المحتاجين، بأركان الإيمان، وفرائض الإسلام، قال تعالى: ( ( ليس البر أن تولوا [ ص: 100 ] وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) ) (البقرة:177)

وقال سبحانه: ( ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار ) ) (الرعد: 22).

- وبعد الأمر بتوحيد الله، والوصية بالوالدين وذي القربى، يوصي القرآن بالضعفاء وأهل الحاجة والعوز،

قال تعالى: ( ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ) ) (النساء:36).

- ويجعل القرآن للفقراء والمساكين وذوي الحاجة والمحرومين حقا مفروضا في مال الأغنياء، يؤدى إليهم على سبيل الوجوب والإلزام لا على سبيل التفضل والتبرع: ( ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) ) (التوبة: 60)؛

( ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) ) (الإسراء:26).

- والقرآن إذ يأمر بالإنفاق من طيب الكسب؛ فإنه يحذر المنفق من أن يصغي إلى وسوسة الشيطان التي تخوفه الفاقة والفقر، ويأمره أن يثق بوعد [ ص: 101 ] الله بالمغفرة والفضـل الواسـع: ( ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ) ) (البقرة:267-268).

- ولما كانت بعض النفوس قد تحجم عن النفقة والتصدق علانية، خوفا من شائبة السمعة والرياء؛ فإن القرآن يدعو إلى الإنفاق سرا وعلانية، ويثني على صدقة السر، وعلى صدقة العلن، تشجيعا منه للنفوس على البذل والعطاء، وحتى لا يحرم من هو مستحق للعطاء بدعوى خوف المنفق من السمعة والرياء:

( ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ) ) (البقرة: 271)؛

( ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) ) (إبراهيم:31).

- والقرآن يدعو إلى اجتياز العقبات والموانع التي تحول بين الإنسان وبين أن يمد يد العون إلى الآخرين، وأول تلك العقبات ما انطوت عليه النفس من بخل وشـح وحرص: ( ( فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة ) ) [ ص: 102 ] ( ( أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة ) ) (البلد:11-18).

- والقرآن يخبرنا أن كل ما ننفقه في وجوه الخير والبر والإحسان ابتغاء وجه الله؛ فإن الله يعوض عنه:

( ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) ) (سبأ: 39).

- ويدعو القرآن المنفق أن تكون نفقته خالصة لوجه الله، لا منة فيها ولا أذى؛ لأن المن والأذى يبطل الأجر: ( ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ) ) (البقرة:262-264).

- وينهى القرآن عن القسوة في معاملة الفئات الضعيفة والمحتاجة في المجتمع، ويجعل معاملتها بقسـوة، وعدم الرأفة بها، وعدم مد يد العون لها، من أخلاق المكذبين بيوم القيامة:

( ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) ) (الضحى: 9-10)، ( ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) ) [ ص: 103 ] ( ( فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين ) ) (الماعون:1-3).

- والقرآن يجعل عدم إطعام المسكين من أسباب العذاب الأخروي: ( ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ) (المدثر:38-48).

وفي موضع آخر يجعل القرآن عدم الحض على إطعام المسكين من أسباب العذاب في الآخرة:

( ( خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون ) ) (الحاقة:30-37).

وهكذا، لا يزال القرآن يطرق قضية التكافل الاجتماعي بقوة، ويلح عليها بشدة، ويتناولها من جوانب كثيرة، وزوايا عديدة، ولا شك أن القرآن يهدف من وراء ذلك إلى تكوين رأي عام فاضل في المجتمع المسلم، ينحاز إلى الفئات الضعيفة والمحتاجة، ويرى في مساعدتها، ومد يد العون والمواساة لها، عملا من أفضل الأعمال الصالحة، وقربة من أعظم القربات إلى الله، وواجبا لا تبرأ ذمة المجتمع ولا ينجو من عذاب الله إلا بأدائه. [ ص: 104 ]

المثال الثاني: تجريم الزنا

ومن القضايا التي اعتنى القرآن بإيجاد رأي عام حولها قضية تجريم الزنا، ولقد أوجد القرآن بالفعل رأيا عاما في المجتمعات الإسلامية يجرم الزنا، ويستوحش من مقاربته، ويستقذر مقارفته... وحين ننظر في أساليب القرآن التي كونت هذا الرأي العام المنبثق بالأساس عن عقيدة وإيمان، سنجد الآتي:

- حين يذكر القرآن صفات أهل الإيمان، فإنه يذكر صفة حفظ الفرج عن الزنا، ويثني على المؤمنين الذين يحفظون فروجهم ثناء عطرا،

قال تعالى: ( ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) ) (المؤمنون:1-11)؛

( ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) ) (الأحزاب:35). [ ص: 105 ]

والقرآن إذ يذكر الزنا فإنه يقرنه بأمهات الكبائر المتوعد عليها بأشد العذاب:

( ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) ) (الفرقان: 68-70)،

( ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) ) (الممتحنة: 12).

- والقرآن ينهى عن مقاربة أسباب الزنا ودواعيه:

( ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ) (النور: 30-31).

- وللتحذير من مقاربة أسباب الزنا ودواعيه، فإن القرآن ينفر عن الزنا بوصفه بأرذل الصفات:

( ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ) (الإسراء: 32).

- ويأمر القرآن بإنزال العقوبة الشديدة بالزاني والزانية، وينهى عن الرأفة بهما: ( ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) ) (النور: 2). [ ص: 106 ]

- وحتى تكون العقوبة موعظة وعبرة ونكالا، فالقرآن يأمر أن يشهد عقاب الزاني والزانية طائفة من المؤمنين: ( ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ) (النور: 2).

ونتيجة لهذا الطرح القرآني القوي فقد تكون رأي عام في المجتمعات الإسلامية يستبشع ويجرم الزنا، ويعتبره رذيلة من أقبح الرذائل، ومفسدة من أسوأ المفاسد، وحفظ الله بالقرآن المجتمعات الإسلامية من أن تنحدر إلى ذلك المستوى البهيمي الهابط الذي انحدرت إليه مجتمعات أخرى لم تر في الزنا إلا حرية شخصية، ومسألة بيولوجية لا علاقة لها بالأخلاق! فكان نتيجة ذلك أن انغمست تلك المجتمعات في حمأة الشهوة، ومستنقع الرذيلة، بلا رادع من دين أو ضابط من خلق، حتى أصبحت الإباحية واقعا معترفا به، وضرب الفساد الماجن والتحلل الاجتماعي تلك المجتمعات في صميم وجودها المعنوي والمادي على السواء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث