الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسيلة السادسة تنظيم وضبط الدوافع الغريزية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الوسيلة السادسة

تنظيم وضبط الدوافع الغريزية

ومن وسائل القرآن في إصلاح المجتمع أنه يعمل على تنظيم وضبط الدوافع الغريزية (الفسيولوجية) حتى تؤدي دورها الصحيح في حفظ الذات وبقاء النوع الإنساني.

ويجب هنا أن نفرق بين الضبط والكبت، فالقرآن يضبط الغرائز، ولكنه لا يكبتها؛ لأن الكبت هو إنكار الرغبة واستقذارها، ومحاولة إبعادها نهائيا عن دائرة الوعي تخلصا مما تسببه من شعور بالإثم أو القلق، وهو ما يؤدي إلى نشوء كثير من الأعراض المختلفة لاضطرابات السلوك.

أما ضبط الدوافع الغريزية فمعناه: أن يتم تنظيم إشباعها بطريقة صحيحة، وأن توجه توجيها سليما يعود بالخير والنفع على الفرد والمجتمع [1] .

والقرآن لا يكبت الدوافع الغريزية، ولا يستقذرها، ولا يدعو إلى إلغائها كما تفعل بعض الأديان والفلسفات، ولكنه يعترف بوجودها، ويقدر وظيفتهـا، ويعترف بمشروعية إشباعها، والآيات الدالة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: [ ص: 119 ]

- ( ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) ) (البقرة: 168).

- ( ( كلوا واشربوا من رزق الله ) ) (البقرة: 60).

- ( ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) ) (النور: 32).

- ( ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ) (البقرة: 223).

والقرآن يرفض أن يحرم الإنسان على نفسه التمتع بطيبات الرزق؛ إذ أنه لا حرج على الإنسان أن يتمتع بإشباع دوافعه الفطرية ما دام ملتزما بالطرق الشرعية المباحة:

- ( ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) ) (المائدة: 87-88).

- ( ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) ) (الأعراف: 31-32).

وجملة القول: إن «القرآن لا يدعو الإنسان إلى إنكار دوافعه الفطرية وكبتها، وهو بذلك يجنبه الوقوع في الصراع النفسي الذي ينشأ من إنكار [ ص: 120 ] الإنسان لدافعه الجنسي، وقيامه بكبته، مما يؤدي إلى نشوء أعراض اضطرابات السـلوك، ولكن القرآن مع ذلك لا يطلق العنان للإنسان لإشباع دوافعه الفطرية بلا حدود، ولكنه يدعوه إلى تنظيم إشباعها، والسيطرة على زمامها» [2] .

وضبط القرآن وتنظيمه للدوافع الغريزية يقوم على ضابطين مهمين هما:

الضابط الأول: المشروعية

فلا يجوز للإنسان أن يشبع دوافعه عن طريق محرم كالزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو تناول المطعومات المحرمة، بل لا بد أن يكون الإشباع بالطرق والوسـائل الطيبة المشروعة التي لا تلحق الضرر بالفرد أو المجتمع، قال تعالى:

( ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) ) (الأعراف:157).

فإشـباع الغريزة الجنسية مثلا يكون عن طريق الزواج، قال تعالى:

( ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) ) (النساء:3).

فمن لم يستطع الزواج فالقرآن يدعوه إلى التسامي والصبر حتى ييسر الله له زواجا مشروعا،

قال تعالى: ( ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) ) (النور:33). [ ص: 121 ]

وكذلك الأمر في المطعومات والمشروبات، لا بد أن تكون من حلال طيب:

( ( كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) ) (البقرة: 168).

ولا يجوز للإنسان أن يتناول المطعومات المحرمة إلا في بعض الحالات الاستثنائية التي يضطر فيها لتناولها إبقاء على حياته، وحفاظا على نفسه من الهلاك، قال تعالى:

( ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) ) (البقرة: 172-173).

وقال سبحانه: ( ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) ) (المائدة: 3-4). [ ص: 122 ]

ومن خلال الآيات السابقة يتبين أن القرآن حينما يتحدث عن المحرمات فإنه يفصل فيها، ويذكرها بأعيانها؛ لأن الأصل في الأشياء هو الإباحة، وأما التحريم فهو محدود، ولذلك فصل القرآن فيه، مصداقا لقوله تعالى:

( ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) ) (الأنعام:119).

الضابط الثاني: عدم الإسراف:

والإسراف هو: «تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان» [3] . ونتيجته هي: الفساد،

قال تعالى: ( ( ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) ) (الشعراء: 151-152).

ومن ذلك أن يسرف الإنسان في إشباع غرائزه مما يؤدي إلى مفاسد كثيرة على المستوى الفردي والجماعي، ولذلك نهى الله عنه، فقال سبحانه: ( ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ) (الأعراف: 31).

وقال عز شأنه: ( ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ) (الأنعام:141).

وقد ذم الله الإسراف في غير موضع من كتابه، ووصف به عتاة الشر والإجرام،

فقال عن فرعون: ( ( إنه كان عاليا من المسرفين ) ) [ ص: 123 ] (الدخان: 31)، ووصف قوم لوط بأنهم: ( ( قوم مسرفون ) ) (الأعراف: 81).

وخلاصة القول في الإسراف: إنه داء مهلك من أدواء المجتمعات، ومفتاح لباب الشر والفساد، خاصة عندما يسرف الإنسان في إشباع غرائزه، دونما زاجر من دين، أو رادع من خلق، أو وازع من ضمير، إذ يصبح الإنسان حينها عبدا لشهواته ونزواته، وينخلع عن رتبته الإنسانية إلى مستوى وضيع من الشهوانية البهيمية؛ وواقع المجتمعات البشرية ينبئنا أن المجتمعات التي تنغمس في الشهوات، وتسرف على نفسها في متاع الحس؛ فإنه سرعان ما يسري إليها الانحلال سريان النار في الهشيم، ولذلك لا يمكن أن ننشد مجتمعا صالحا ما لم يتم ضبط وتنظيم الدوافع الغريزية، والقرآن بسلطانه الروحي والتشريعي هو وحده القادر على ضبط وتنظيم الغرائز، وبما يتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة، وأثر القرآن في هذه الناحية واضح جدا في المجتمعات الإسلامية، فالمجتمعات الإسلامية على ما بها من ضعف وقصور وما أصابها من اختراق تعتبر في حالة متقدمة جدا في تنظيمها وضبطها للدوافع الغريزية، إذا ما قورنت بالمجتمعات الأخرى كالمجتمعات الغربية مثلا والفضل في ذلك إنما يعود إلى القرآن الذي أولى عنايته لتنظيم وضبط الدوافـع الغريزية حتى تكون مصـدر إثراء وإنماء للحياة الإنسانية، لا معول هدم وتخريب وإفساد. [ ص: 124 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث