الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الوسيلة السابعة

الأمر بإصلاح ذات البين

وتقديم خطوات عملية لفض المنازعات وإنهاء الخصومات

ومن وسائل القرآن في إصلاح المجتمع أنه أولى عنايته واهتمامه لمسألة إصلاح ذات البين، ذلك أن المجتمعات الإنسانية أيا كانت لا تخلو من النزاعات والصراعات الداخلية، وقد أمر الله مجتمع الصحابة وهم خير مجتمع عرفته الإنسانية أن يصلحوا ذات بينهم،

فقال سبحانه: ( ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) ) (الأنفال: 1).

وكان سبب نزول هذه الآية ما وقع بينهم من الاختلاف على غنائم معركة بدر [1] .

وإصلاح ذات البين يراد به حل الخلافات الداخلية عن طريق فض المنازعـات، وإنـهاء الخصومات، وحل المشكلات التي قد تنشأ بين الأفراد والجماعات. [ ص: 125 ]

قال الحافظ ابن كثير [2] : ((وقوله تعالى: ( ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) ) ، أي: واتقوا الله في أموركم، وأصلحوا ذات بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا)) [3] .

وقد أثنى الله على الذين يصلحون بين الناس، ووعدهم بجزيل الأجر، وعظيم الثواب، إذا خلصت لله نياتهم،

فقال سبحانه: ( ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) ) (النساء: 114).

غير أن القرآن لم يكتف بالأمر بإصلاح ذات البين، ولا بالحث على الإصلاح بين الناس، ولكنه قدم مع ذلك نماذج من الخطوات العملية الإجرائية لإصلاح ذات البين، ورأب الصدع، وتحقيق الأمن والطمأنينة والاستقرار في المجتمع،

كما في قوله سبحانه: ( ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب [ ص: 126 ] المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) ) (الحجرات: 9-10).

فهذه الآيات تقدم خطوات عملية إجرائية، لرأب الصدع، وإصلاح ذات البين في حال إذا ما تطور النزاع بين طائفتين أو فريقين من المجتمع إلى الصراع المسلح.

ولم تكن الخلافات والمشاكل الأسرية بعيدة عن الاهتمام القرآني، فالقرآن يقدم خطوات عملية لمعالجة نشوز المرأة على زوجها، وإصلاح ذات بينهما،

كما في قوله تعالى: ( ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) ) (النساء: 34-35).

وقد يحدث أن يقع النشوز من الزوج لا من الزوجة، وذلك بأن يهجر الزوج زوجته، ويعرض عنها، ويمنعها حقوقها، والقرآن لم يغفل هذا الجانب، بل قدم لعلاجه خطوات إجرائية محددة:

( ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) ) (النساء: 128)؛ ( ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة [ ص: 127 ] أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) ) (البقرة: 226-227).

هذه الحلول والمعالجـات التي يقدمها القرآن لإصـلاح ذات البين، إنما تدل على مدى عنايته بسلامة النسيج الاجتماعي، وحرصه على شبكة العلاقات الاجتماعية؛ ذلك أن الحياة الاجتماعية هي في المحصلة النهائية شبكة من العلاقات المتنوعة والمتداخلة، وهذه الشبكة قد تصاب بالانسداد، أو بالتمزق والتلف في بعض مواضعها، ونتيجة لذلك تظهر حالات من العداء، والتقاطع، والتشاحن، والتنازع، والتصارع في حياة الناس، وهنا يأتي دور عملية إصلاح ذات البين، وهي عملية تستهدف إصلاح وصيانة شبكة العلاقات الاجتماعية، وتخليصها من الأضرار التي تلحق بها، وهي عملية يجب أن تمارس باستمرارية، والذي يفرض وجودها واستمرارها هو طبيعة الحياة الاجتماعية نفسها، وحاجة شبكة العلاقات الاجتماعية على الدوام إلى الإصلاح والصيانة.

ومن هذا المنظور يمكننا أن نرى في ( إصلاح ذات البين ) عملية تجديد للعلاقات الاجتماعية، تتجدد بها حياة الناس بكل ما يعنيه ذلك من تجدد في الأفكار والمشاعر والسلوكيات، ولولا هذا التجدد لجمدت الحياة، ولأصبحت آسنة وموحشة !

وإذا أمعنا النظر في الحلول والمعالجات التي يقدمها القرآن لإصلاح ذات البين، فسنجد أنها: [ ص: 128 ]

1- مرحلية: تراعي التدرج.

2 - عملية: تقوم على الخطوات الإجرائية الواضحة والمحددة.

3- واقعية: قابلة للتنفيذ والتطبيق.

ونستطيع القول: إن القرآن حين أمر بإصلاح ذات البين، وحث على ممارسته كوسيلة من أهم وسائل الإصلاح الاجتماعي، وكضرورة لا بد منها للمحافظة على سلامة النسيج الاجتماعي من التمزق والانفراط، أراد مع ذلك أن يلفت أنظارنا إلى منهج المعالجة السليم الذي يجب أن نسلكه في معالجة قضايانا ومشاكلنا الاجتماعية، وفي هذا السياق جاءت تلك النماذج من المعالجات القرآنية لإصلاح ذات البين، لتعلمنا أن النـوايا الطيبة وحدها لا تكفي، بل لا بد معها من منهج عملي وواقعي مدروس يقوم على الحكمة والتدرج؛ ذلك أن الاعتساف في المعالجة، ومحاولة القفز على الواقع لا يزيد المشاكل إلا تعقيدا، ولا يزيد الطين إلا بلة. [ ص: 129 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث