الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قوم ذوي شوكة لا يصلون ولا يزكون هل يجوز قتالهم

[ ص: 556 ] وسئل الشيخ عن قوم ذوي شوكة مقيمين بأرض وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات وليس عندهم مسجد ولا أذان ولا إقامة وإن صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة . ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشي والزروع . وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا وينهبون مال بعضهم بعضا ويقتلون الأطفال وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ الأموال لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحرم ولا غيرها وإذا أسر بعضهم بعضا باعوا أسراهم للإفرنج . ويبيعون رقيقهم من الذكور والإناث للإفرنج علانية ويسوقونهم كسوق الدواب . ويتزوجون المرأة في عدتها . ولا يورثون النساء . ولا ينقادون لحاكم المسلمين . وإذا دعي أحدهم إلى الشرع قال : إنا الشرع . إلى غير ذلك . فهل يجوز قتالهم والحالة هذه ؟ وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذكر ؟

التالي السابق


فأجاب : نعم . يجوز ; بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة [ ص: 557 ] المتواترة ; مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه أو عن صيام شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة وكما قاتل علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم { يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم ; فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة } وذلك بقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وبقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } .

والربا آخر ما حرمه الله ورسوله فكيف بما هو أعظم تحريما .

ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإن التزموها استوثق منهم ولم يكتف منهم بمجرد الكلام . كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد إن أذلهم وقال : اختاروا ; إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية وقال : أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا : هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم [ ص: 558 ] المخزية ؟ قال : تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزع منكم الكراع - يعني الخيل والسلاح - حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أمرا بعد .

فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام ويقيم بهم الصلوات وما ينتفعون به من شرائع الإسلام . وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين ويجعلهم في جماعة المسلمين . وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به ويمنعون من ركوب الخيل . وإما أنهم يضعوه حتى يستقيموا ; وإما أن يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة . وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث