الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شروط عمر بن الخطاب التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام

وقال قدس الله روحه فصل في شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وعليه العمل عند أئمة المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور ; فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة } وقوله صلى الله عليه وسلم { اقتدوا باللذين من بعدي ; أبي بكر وعمر } لأن هذا صار إجماعا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة . منها ما رواه [ ص: 652 ] سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال : كتب عمر رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام كتابا وشرط عليهم فيه : أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما حولها ديرا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يأووا جاسوسا ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم : من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاحهم ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رءوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء من طريق المسلمين ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء في حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين . فإن خالفوا شيئا مما اشترط عليهم فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم [ ص: 653 ] ما يحل من أهل المعاندة والشقاق .

وأما ما يرويه بعض العامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من آذى ذميا فقد آذاني " فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من أهل العلم . وكيف ذلك وأذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله تعالى : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } فكيف يحرم أذى الكفار مطلقا ؟ وأي ذنب أعظم من الكفر ؟ .

ولكن في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله لم يأذن لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب أبشارهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم } وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : أذلوهم ولا تظلموهم . وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس . فأنا حجيجه يوم القيامة } . وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول [ ص: 654 ] الله صلى الله عليه وسلم { ليس على مسلم جزية ولا تصلح قبلتان بأرض } .

وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتبوعة وغيرها في كتبهم واعتمدوها ; فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في لباسهم وشعورهم وكناهم وركوبهم : بأن يلبسوا أثوابا تخالف ثياب المسلمين : كالعسلي والأزرق والأصفر والأدكن ويشدوا الخرق في قلانسهم وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم .

وقد أطلق طائفة من العلماء أنهم يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعا ومنهم من قال : هذا يجب إذا شرط عليهم . وقد تقدم اشتراط عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذلك عليهم جميعا حيث قال : ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا غيرها : من عمامة ولا نعلين . إلى أن قال : ويلزمهم بذلك حيث ما كانوا ويشدوا الزنانير على أوساطهم .

وهذه الشروط ما زال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين كما جدد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - في خلافته وبالغ في اتباع سنة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - [ ص: 655 ] حيث كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله تعالى بها على غيره من الأئمة وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التي ينبغي هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي وجوب هدمها قولان : ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت . ولو أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد بتلك البقاع بحيث بنيت فيها المساجد : فلا يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا يجتمع قبلتان بأرض } ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون - رضي الله عنهم - أن لا يظهروا شعائر دينهم .

وأيضا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على الديارات والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم نحكم بصحة الوقف . فكيف بحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب .

وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس عليها [ ص: 656 ] شيئان . " أحدهما " : أن بني عبيد القداح - الذين كان ظاهرهم الرفض وباطنهم النفاق - يستوزرون تارة يهوديا وتارة نصرانيا واجتلب ذلك النصراني خلقا كثيرا وبنى كنائس كثيرة . " والثاني " : استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاءون . والله أعلم . وصلى الله على محمد .

وقال الشيخ رحمه الله تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد متظاهرة . لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال ولا تدور لهم في خيال . والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى . إلى أن قال : والحق دائما في انتصار وعلو وازدياد والباطل في انخفاض وسفال ونفاد . وقد أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ما يطول وصفه .

ونحن - ولله الحمد - قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة وانقماع الباطل والبدعة وقد دخلوا في ذلك كله وامتنعنا حتى يظهروا ذلك إلى الفعل . فلم نثق لهم بقول [ ص: 657 ] ولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم . حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم . وقد أمد الله من الأسباب التي فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر والبدعة : بأمور يطول وصفها في كتاب . وكذلك جرى من الأسباب التي هي عز الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم شوكة وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل كبير من الناس فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله . وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين . وتأليف قلوبهم وقيامهم على اليهود والنصارى وذل المشركين وأهل الكتاب مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين . ووصف هذا يطول .

وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي . فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي فإنه يقلب الكتب ويخرج المطلوب . وترسلون أيضا من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلدا وإلا فمن أوله مجلدا أو مجلدين أو ثلاثة . وذكر كتبا يطلبها منهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث