الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة .

تتنزل هذه الجملة من التي قبلها منزلة البيان للإنذار الذي تضمنه قوله هذا نذير .

فالمعنى : هذا نذير بآزفة قربت ، وفي ذكر فعل القرب فائدة أخرى زائدة على البيان وهي أن المنذر به دنا وقته ، فإن : أزف معناه : قرب وحقيقته لقرب المكان ، واستعير لقرب الزمان لكثرة ما يعاملون الزمان معاملة المكان .

والتنبيه على قرب المنذر به من كمال الإنذار للبدار بتجنب الوقوع فيما ينذر به .

وجيء لفعل أزفت بفاعل من مادة الفعل للتهويل على السامع لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تعيين هذه المحادثة التي أزفت ، ومعلوم أنها من الأمور المكروهة لورود ذكرها عقب ذكر الإنذار .

وتأنيث الآزفة بتأويل الوقعة ، أو الحادثة كما يقال : نزلت به نازلة ، أو [ ص: 159 ] وقعت الواقعة ، وغشيته غاشية ، والعرب يستعملون التأنيث دلالة على المبالغة في النوع ، ولعلهم راعوا أن الأنثى مصدر كثرة النوع .

والتعريف في الآزفة تعريف الجنس ، ومنه زيادة تهويل بتمييز هذا الجنس من بين الأجناس ؛ لأن في استحضاره زيادة تهويل ؛ لأنه حقيق بالتدبر في المخلص منه نظير التعريف في الحمد لله ، وقولهم : أرسلها العراك .

والكلام يحتمل آزفة في الدنيا من جنس ما أهلك به عاد وثمود وقوم نوح فهي استئصالهم يوم بدر ، ويحتمل آزفة وهي القيامة . وعلى التقديرين فالقرب مراد به التحقق وعدم الانقلاب منها كقوله تعالى اقتربت الساعة وقوله إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا .

وجملة ليس لها من دون الله كاشفة مستأنفة بيانية أو صفة ل الآزفة . و كاشفة يجوز أن يكون مصدر بوزن فاعلة كالعافية ، وخائنة الأعين ، وليس لوقعتها كاذبة . والمعنى ليس لها كشف .

ويجوز أن يكون اسم فاعل قرن بهاء التأنيث للمبالغة مثل راوية ، وباقعة وداهية ، أي : ليس لها كاشف قوي الكشف فضلا عمن دونه .

والكشف يجوز أن يكون بمعنى التعرية مراد به الإزالة مثل ويكشف الضر ، وذلك ضد ما يقال : غشية الضر .

فالمعنى : لا يستطيع أحد إزالة وعيدها غير الله ، وقد أخبر بأنها واقعة بقوله ليس لها من دون الله كاشفة كناية عن تحقق وقوعها .

ويجوز أن يكون الكشف بمعنى إزالة الخفاء ، أي : لا يبين وقت الآزفة أحد له قدرة على البيان على نحو قوله تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو . فالمعنى : أن الله هو العالم بوقتها لا يعلمه أحد إلا إذا شاء أن يطلع عليه أحدا من رسله أو ملائكته .

و من دون الله ، أي : غير الله ، و " من " مزيدة للتوكيد ، وهو متعلق بالكون الذي ينوى في خبر ليس في قوله لها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث