الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا

جزء التالي صفحة
السابق

وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون

جعل فيكم أنبياء : لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء وجعلكم ملوكا : لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه ، وبعد الجبابرة ملكهم ، ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء ، وقيل : كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله ، فسمي إنقاذهم ملكا ، وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار ، وقيل : من له بيت وخدم ، وقيل : من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق ما لم يؤت أحدا من [ ص: 221 ] العالمين من فلق البحر ، وإغراق العدو ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغير ذلك من الأمور العظام ، وقيل : أراد عالمي زمانهم الأرض المقدسة : يعني أرض بيت المقدس ، وقيل : الطور وما حوله ، وقيل : الشام ، وقيل : فلسطين ودمشق وبعض الأردن ، وقيل : سماها الله لإبراهيم ميراثا لولده حين رفع على الجبل ، فقيل له : انظر ، فلك ما أدرك بصرك ، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين كتب الله لكم : قسمها لكم وسماها ، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم ولا ترتدوا على أدباركم : ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا ، وقيل : لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : ليتنا متنا بمصر ، وقالوا : تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر ، ويجوز أن يراد : لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم ، فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة . الجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد قال رجلان : هما كالب ويوشع من الذين يخافون : من الذين يخافون الله ويخشونه ، كأنه قيل : رجلان من المتقين ، ويجوز أن تكون الواو لـ “بني إسرائيل" والراجع إلى الموصول محذوف تقديره : من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم أنعم الله عليهما : بالإيمان فآمنا ، قالا لهم : إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها ، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم ويشجعانهم على قتالهم ، وقراءة من قرأ : "يخافون" بالضم شاهدة له ، وكذلك أنعم الله عليهما ، كأنه قيل : من المخوفين ، وقيل : هو من الإخافة ، ومعناه من الذين يخافون من الله بالتذكرة والموعظة . أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب . فإن قلت : ما محل "أنعم الله عليهما"؟ قلت : إن انتظم مع قوله : "من الذين يخافون" في حكم الوصف لـ “رجلان" فمرفوع ، وإن جعل كلاما معترضا فلا محل له . فإن قلت : من أين علما أنهم غالبون؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك ، وقوله تعالى : كتب الله لكم وقيل : من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه ، وما عرفا من حال الجبابرة ، والباب : باب قريتهم لن ندخلها نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس ، و أبدا : تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ، و ما داموا فيها بيان للأبد فاذهب أنت وربك يحتمل ألا يقصدوا حقيقة الذهاب ، ولكن كما تقول : كلمته فذهب يجيبني ، تريد معنى [ ص: 222 ] الإرادة والقصد للجواب ، كأنهم قالوا : أريد قتالهم ، والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء ، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عز وجل جهرة ، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم . ويحكى أن موسى وهارون عليهما السلام خرا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد عليهما ، فهموا برجمهما ، ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا [المائدة : 82] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث