الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون

أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون تفريع على نحن خلقناكم ، أي خلقناكم الخلق الذي لم تروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة الخلق تشبه ابتداء الخلق . وذكرت كائنات خمسة مختلفة الأحوال متحدة المآل إذ في كلها تكوين لموجود مما كان عدما ، وفي جميعها حصول وجود متدرج إلى أن تتقوم بها الحياة وابتدئ بإيجاد النسل من ماء ميت ، ولعله مادة الحياة بنسلكم في الأرحام من النطف تكوينا مسبوقا بالعدم .

والاستفهام للتقرير بتعيين خالق الجنين من النطفة إذ لا يسعهم إلا أن يقروا بأن الله خالق النسل من النطفة وذلك يستلزم قدرته على ما هو من نوع إعادة الخلق .

وإنما ابتدئ الاستدلال بتقديم جملة أأنتم تخلقونه زيادة في إبطال شبهتهم إذ قاسوا الأحوال المغيبة على المشاهدة في قلوبهم لا نعاد بعد أن كنا ترابا وعظاما ، وكان حقهم أن يقيسوا على تخلق الجنين من مبدأ ماء النطفة فيقولوا : لا تصير العظام البالية ذواتا حية ، وإلا فإنهم لم يدعوا قط أنهم خالقون ، فكان قوله أأنتم تخلقونه تمهيدا للاستدلال على أن الله هو خالق الأجنة بقدرته ، وأن تلك القدرة لا تقتصر على الخلق الثاني عند البعث .

وفعل الرؤية في أرأيتم من باب ظن لأنه ليس رؤية عين . وقال الرضي : هو في مثله منقول من رأيت ، بمعنى أبصرت أو عرفت ، كأنه قيل : أأبصرت حاله العجيبة أو أعرفتها ، أخبرني عنها ، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء اهـ ، أي لأن أصل فعل الرؤية من أفعال الجوارح لا من أفعال العقل .

[ ص: 314 ] و ما تمنون مفعول أول لفعل أفرأيتم . وفي تعدية فعل أرأيتم إليه إجمال إذ مورد فعل العلم على حال من أحوال ما تمنون ، ففعل رأيتم غير وارد على نفس ما تمنون .

فكانت جملة أأنتم تخلقونه بيانا لجملة أفرأيتم ما تمنون ، وأعيد حرف الاستفهام ليطابق البيان مبينه .

وبهذا الاستفهام صار فعل أرأيتم معلقا عن العمل في مفعول ثان لوجود موجب التعليق وهو الاستفهام . قال الرضي : إذا صدر المفعول الثاني بكلمة الاستفهام فالأولى أن لا يعلق فعل القلب عن المفعول الأول نحو : علمت زيدا أيومن هو . اهـ .

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في أأنتم تخلقونه لإفادة التقوي لأنهم لما نزلوا منزلة من يزعم ذلك كما علمت صيغت جملة نفيه بصيغة دالة على زعمهم تمكن التصرف في تكوين النسل .

وقد حصل من نفي الخلق عنهم وإثباته لله تعالى معنى قصر الخلق على الله تعالى .

و ( أم ) متصلة معادة الهمزة ، وما بعدها معطوف لأن الغالب أن لا يذكر له خبر اكتفاء بدلالة خبر المعطوف عليه على الخبر المحذوف ، وهاهنا أعيد الخبر في قوله أم نحن الخالقون زيادة في تقرير إسناد الخلق إلى الله في المعنى وللإيفاء بالفاصلة وامتداد نفس الوقف ، ويجوز أن نجعل أم منقطعة بمعنى بل لأن الاستفهام ليس بحقيقي فليس من غرضه طلب تعيين الفاعل ويكون الكلام قد تم عند قوله تخلقونه .

والمعنى : أتظنون أنفسكم خالقين النسمة مما تمنون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث