الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات وذلك من وجوه :

أحدها : إثبات حمده التام ، فإنه يقتضي كمال حكمته ، وأن لا يخلق خلقه عبثا ، ولا يتركهم سدى ، لا يؤمرون ولا ينهون ، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه ، وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته ، ولا عظمه حق تعظيمه ، ولا قدره حق قدره ، بل نسبه إلى ما لا يليق به ، ويأباه حمده ومجده .

فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه " أشهد أن محمدا رسول الله " كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله ، وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد ، كتعطيل صفات الكمال ، وكإثبات الشركاء والأنداد .

الثاني : إلهيته ، وكونه إلها ، فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ، ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله .

الثالث : كونه ربا ، فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم ، وجزاء محسنهم [ ص: 91 ] بإحسانه ، ومسيئهم بإساءته ، هذا حقيقة الربوبية ، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة .

الرابع : كونه رحمانا رحيما ، فإن من كمال رحمته أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه ، ويباعدهم منه ، ويثيبهم على طاعته ، ويجزيهم بالحسنى ، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة ، فكانت رحمته مقتضية لها .

الخامس : ملكه ، فإن الملك يقتضي التصرف بالقول ، كما أن الملك يقتضي التصرف بالفعل ، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله ، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء ، والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله ، والله له الملك ، وله الملك ، فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل .

وتصرفه بقوله نوعان : تصرف بكلماته الكونية ، وتصرف بكلماته الدينية ، وكمال الملك بهما .

فإرسال الرسل موجب كمال ملكه وسلطانه ، وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس وعقولهم ، فكل ملك لا تكون له رسل يبثهم في أقطار مملكته فليس بملك .

وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته ، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه ، فإنهم رسل الله في خلقه وأمره .

السادس : " ثبوت يوم " الدين وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا ، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة ، وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي .

السابع : كونه معبودا ، فإنه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه ، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله ، فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا .

الثامن : كونه هاديا إلى الصراط المستقيم ، وهو معرفة الحق والعمل به ، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب ، فإن الخط المستقيم : هو أقرب خط موصل بين نقطتين ، وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل ، فتوقفه على الرسل ضروري ، أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس .

التاسع : كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم : فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم ، وجعلهم قابلين الرسالة ، مستجيبين لدعوته ، وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه .

العاشر : انقسام خلقه إلى منعم عليهم ، ومغضوب عليهم ، وضالين ، فإن هذا [ ص: 92 ] الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق ، والعمل به إلى عالم به ، عامل بموجبه ، وهم أهل النعمة ، وعالم به معاند له ، وهم أهل الغضب ، وجاهل به وهم الضالون ، هذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل ، فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة ، فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة ، وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع ، فالرسالة ضرورية .

وقد تبين لك بهذه الطريق والتي قبلها بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني ، وقيامة الأبدان ، وعرفت اقتضاءها ضرورة لثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهي وهو الحق الذي خلقت به وله السماوات والأرض والدنيا والآخرة وهو مقتضى الخلق والأمر ، ونفيه نفي لهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث