الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين .

نتيجة للاستدلال إذ قد تحصحص من الحجة الماضية أن اليهودية والنصرانية غير الحنيفية ، وأن موسى وعيسى ، عليهما السلام ، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية ، فأنتج أن إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية ; إذ لم يؤثر ذلك عن موسى ولا عيسى ، عليهما السلام ، فهذا سنده خلو كتبهم عن ادعاء ذلك . وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوها من فريضة الحج ، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه ، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة : لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون عن عكرمة قال : لما نزلت الآية قال أهل الملل قد أسلمنا قبلك ، ونحن المسلمون ، فقال الله له : فحجهم يا محمد وأنزل [ ص: 275 ] الله : ولله على الناس حج البيت الآية فحج المسلمون وقعد الكفار . ثم تمم الله ذلك بقوله : وما كان من المشركين ، فأبطلت دعاوى الفرق الثلاث .

والحنيف تقدم عند قوله تعالى : قل بل ملة إبراهيم حنيفا في سورة البقرة .

وقوله : ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ، ولذلك بين حنيفا بقوله مسلما لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام ، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية ، وقال وما كان من المشركين فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية ، وموافقة النصرانية ، وموافقة المشركين ، وأنه كان مسلما ، فثبتت موافقته الإسلام ، وقد تقدم في سورة البقرة في مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما ، وأن الله أمره أن يكون مسلما ، وأنه كان حنيفا ، وأن الإسلام الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذي جاء به إبراهيم وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين وكل ذلك لا يبقي شكا في أن الإسلام هو إسلام إبراهيم .

وقد بينت آنفا عند قوله تعالى : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله الأصول الداخلة تحت معنى أسلمت وجهي لله فلنفرضها في معنى قول إبراهيم إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض فقد جاء إبراهيم بالتوحيد ، وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس الغافلين ، وأقام هيكلا وهو الكعبة ، أول بيت وضع للناس ، وفرض حجه على الناس ارتباطا بمغزاه ، وأعلن تمام العبودية لله تعالى بقوله : ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا وتطلب الهدى بقوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك وأرنا مناسكنا وتب علينا وكسر الأصنام بيده فجعلهم جذاذا ، وأظهر الانقطاع لله بقوله : الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين ، وتصدى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه وحاجه قومه .

[ ص: 276 ] وعطف قوله : وما كان من المشركين لييأس مشركو العرب من أن يكونوا على ملة إبراهيم ، وحتى لا يتوهم متوهم أن القصر المستفاد من قوله : ولكن كان حنيفا مسلما قصر إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية ، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملة إبراهيم لكنهم مشركون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث