الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون

ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون .

عطف على جملة هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله إبطالا لمكر المنافقين فيما قصدوه من قولهم المتظاهرين بأنهم قصدوا به نصح المسلمين ، أي لو تمشت حيلتهم على المسلمين فأمسكوا هم وبعض المسلمين عن إنفاق الأعراب ومن يأوون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العفاة ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع عنهم الإنفاق وذلك دأبه كما دل عليه حديث عمر بن الخطاب أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءني شيء قضيته . فقال عمر : يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه ، فكره النبيء - صلى الله عليه وسلم - قول عمر . فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا . فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاري ثم قال : بهذا أمرت . رواه الترمذي في كتاب الشمائل .

وهذا جواب من باب طريقة النقض لكلامهم في مصطلح آداب البحث .

وخزائن جمع خزانة بكسر الخاء . وهي البيت الذي تخزن فيه الطعام قال تعالى قال اجعلني على خزائن الأرض تقدم في سورة يوسف . وتطلق على الصندوق الكبير الذي يخزن فيه المال على سبيل التوسع وعلى بيوت الكتب [ ص: 248 ] وصناديقها ، ومن هذا ما جاء في حديث الصرف من الموطأ حتى يحضر خازني من الغابة .

وخزائن السماوات مقار أسباب حصول الأرزاق من غيوث رسمية وأشعة الشمس والرياح الصالحة فيأتي ذلك بتوفير الثمار والحبوب وخصب المرعى وتزايد النتاج . وأما خزائن الأرض فما فيها من أهرية ومطامير وأندر ، ومن كنوز الأحوال وما يفتح الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من البلاد وما يفي عليه من أهل القرى .

واللام في لله للملك أي التصرف في ذلك ملك لله تعالى . ولما كان الإنفاق على فقراء المسلمين مما يعين على ظهور الدين الذي أرسل الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان الإخبار بأن الخزائن لله كناية عن تيسير الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - حصول ما ينفق منه كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال الأنصاري ( ولا تخش من ذي العرش إقلالا ) ( بهذا أمرت ) . وذلك بما سيره الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من زكوات المسلمين وغنائم الغزوات ، وما فتح الله عليه من البلاد بخيراتها ، وما أفاء الله عليه بغير قتال .

وتقديم المجرور من قوله ولله خزائن السماوات والأرض لإفادة قصر القلب وهو قلب للازم قولهم لا لصريحه لأن المنافقين لما قالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حسبوا أنهم إذا قطعوا الإنفاق على من عند رسول الله لا يجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما ينفق منه عليهم فأعلم الله رسوله مباشرة وأعلمهم تبعا بأن ما عند الله من الرزق أعظم وأوسع .

واستدراك قوله ولكن المنافقين لا يفقهون لرفع ما يتوهم من أنهم حين قالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله كانوا قالوه عن بصيرة ويقين بأن انقطاع إنفاقهم على الذين يلوذون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقعط رزقهم فينفضون عنه بناء على أن القدرة على الإنفاق منحصرة فيهم لأنهم أهل الأحوال وقد غفلوا عن تعدد أسباب الغنى وأسباب الفقر .

والمعنى : أنهم لا يدركون دقائق المدركات وخفاياها .

ومفعول ( يفقهون ) محذوف ، أي لا يفقهون ذلك وهو مضمون لله خزائن السماوات والأرض ، أو نزل الفعل منزلة اللازم مبالغة في انتفاء فقه الأشياء عنهم في كل حال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث