الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك يوم التغابن

ذلك يوم التغابن اعتراض بين جملة ( ثم لتنبؤن بما عملتم ) بمتعلقها وبين جملة ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته اعتراضا يفيد تهويل هذا اليوم تعريضا بوعيد المشركين بالخسارة في ذلك اليوم : أي بسوء المنقلب .

والإتيان باسم الإشارة في مقام الضمير لقصد الاهتمام بتمييزه أكمل تمييز مع ما يفيد اسم إشارة البعيد من علو المرتبة على نحو ما تقدم في قوله ذلك الكتاب في سورة البقرة .

والتغابن : مصدر غابنه من باب المفاعلة الدالة على حصول الفعل من جانبين أو أكثر .

وحقيقة صيغة المفاعلة أن تدل على حصول الفعل الواحد من فاعلين فأكثر على وجه المشاركة في ذلك الفعل .

والغبن أن يعطى البائع ثمنا دون حق قيمته التي يعوض بها مثله .

فالغبن يئول إلى خسارة البائع في بيعه ، فلذلك يطلق الغبن على مطلق الخسران مجازا مرسلا كما في قول الأعشى :

لا يقبل الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر

[ ص: 276 ] فليست مادة التغابن في قوله يوم التغابن مستعملة في حقيقتها إذ لا تعارض حتى يكون فيه غبن بل هو مستعمل في معنى الخسران على وجه المجاز المرسل .

وأما صيغة التفاعل فحملها جمهور المفسرين على حقيقتها من حصول الفعل من جانبين ففسروها بأن أهل الجنة غبنوا أهل النار إذ أهل الجنة أخذوا الجنة وأهل جهنم أخذوا جهنم قاله مجاهد وقتادة والحسن . فحمل القرطبي وغيره كلام هؤلاء الأيمة على أن التغابن تمثيل لحال الفريقين بحال متبايعين أخذ أحدهما الثمن الوافي ، وأخذ الآخر الثمن المغبون ، يعني وقوله عقبه ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته ، إلى قوله وبئس المصير قرينة على المراد من الجانبين وعلى كلا المعنيين يكون قوله ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا إلى قوله وبئس المصير تفصيلا للفريقين ، فيكون في الآية مجاز وتشبيه وتمثيل ، فالمجاز في مادة الغبن ، والتمثيل في صيغة التغابن ، وهو تشبيه مركب بمنزلة التشبيه البليغ إذ التقدير : ذلك يوم مثل التغابن .

وحمل قليل من المفسرين ( وهو ما فسر إليه كلام الراغب في مفرداته وصرح ابن عطية ) صيغة التفاعل على معنى الكثرة وشدة الفعل كما في قولنا عافاك الله وتبارك الله فتكون استعارة ، أي خسارة للكافرين إذ هم مناط الإنذار .

وهذا في معنى قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة ، وقوله يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم الآية في سورة الصف .

فصيغة التفاعل مستعملة مجازا في كثرة حصول الغبن للكثرة بفعل من يحصل من متعدد .

والكلام تهديد للمشركين بسوء حالتهم في يوم الجمع ، إذ المعنى : ذلك يوم غبنكم الكثير الشديد بقرينة قوله قبله فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا . والغابن لهم هو الله تعالى .

ولولا قصد ذلك لما اقتصر على أن ذلك يوم تغابن فإن فيه ربحا عظيما للمؤمنين [ ص: 277 ] بالله ورسوله والقرآن ، فوزان هذا القصر وزان قوله ( فما ربحت تجارتهم ) وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة .

وأفاد تعريف جزأي جملة ذلك يوم التغابن قصر المسند إليه أي قصر جنس يوم التغابن على يوم الجمعة المشار إليه باسم الإشارة ، وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف قصرا ادعائيا ، أي ذلك يوم الغبن لا أيام أسواقكم ولا غيرها ، فإن عدم أهمية غبن الناس في الدنيا جعل غبن الدنيا كالعدم وجعل يوم القيامة منحصرا فيه جنس الغبن .

وأما لام التعريف في قوله التغابن فهي لام الجنس ، ومن هذا المعنى قوله تعالى قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . وقوله في ضده يرجون تجارة لن تبور . هذا هو المتعين في تفسير هذه الآية وأكثر المفسرين مر بها مرا . ولم يحتلب منها درا . وها أنا ذا كددت ثمادي ، فعسى أن يقع للناظر كوقع القراح من الصادي ، والله الهادي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث