الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم

يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم .

[ ص: 283 ] إقبال على خطاب المؤمنين بما يفيدهم كمالا ويجنبهم ما يفتنهم .

أخرج الترمذي عن ابن عباس أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال : هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ، فلما أتوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - أي بعد مدة وجاء معهم أزواجهم وأولادهم ورأوا الناس قد فقهوا في الدين أي سبقوهم بالفقه في الدين لتأخر هؤلاء عن الهجرة فهموا أن يعاقبوهم على ما تسببوا لهم حتى سبقهم الناس إلى الفقه في الدين فأنزل الله هذه الآية أي حتى قوله وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم . وهو الذي اقتصر عليه الواحدي في أسباب النزول ومقتضاه أن الآية مدنية .

وعن عطاء بن يسار وابن عباس أيضا أن هذه الآية نزلت بالمدينة في شأن عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه وقالوا : إلى من تدعنا ، فيرق لهم فيقعد عن الغزو . وشكا ذلك إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية في شأنهم . فهذه الآية مستأنفة استئنافا ابتدائيا ويكون موقعها هذا سبب نزولها صادف أن كان عقب ما نزل قبلها من هذه السورة .

والمناسبة بينها وبين الآية التي قبلها لأن كلتيهما تسلية على ما أصاب المؤمنين من غم من معاملة أعدائهم إياهم ومن انحراف بعض أزواجهم وأولادهم عليهم .

وإذا كانت السورة كلها مكية كما هو قول الضحاك كانت الآية ابتداء إقبال على تخصيص المؤمنين بالخطاب بعد قضاء حق الغرض الذي ابتدئت به السورة على عادة القرآن في تعقيب الأغراض بأضدادها من ترغيب أو ترهيب ، وثناء أو ملام ، أو نحو ذلك ليوفى الطرفان حقيهما ، وكانت تنبيها للمسلمين لأحوال في عائلاتهم قد تخفى عليهم ليأخذوا حذرهم ، وهذا هو المناسب لما قبل الهجرة كان المسلمون بمكة ممتزجين مع المشركين بوشائج النسب والصهر والولاء فلما ناصبهم المشركون العداء لمفارقتهم دينهم وأضمروا لهم الحقد وأصبحوا فريقين كان كل فريق غير خال من أفراد متفاوتين في المضادة تبعا للتفاوت في صلابة الدين ، وفي أواصر القرابة والصهر ، وقد يبلغ العداء إلى نهاية طرفه فتندحض أمامه جميع الأواصر فيصبح الأشد قربا أشد مضرة على قريبه من مضرة البعيد .

[ ص: 284 ] فأيقظت هذه الآية المؤمنين لئلا يغرهم أهل قرابتهم فيما توهم من جانب غرورهم فيكون ضرهم أشد عليهم وفي هذا الإيقاظ مصلحة للدين وللمسلمين ولذلك قال تعالى فاحذروهم ولم يأمر بأن يضروهم ، وأعقبه بقوله وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ، جمعا بين الحذر وبين المسالمة وذلك من الحزم .

و ( من ) تبعيضية . وتقديم خبر ( إن ) على اسمها للاهتمام بهذا الخبر ولما فيه من تشويق إلى الاسم ليتمكن مضمون هذا الخبر في الذهن أتم تمكن لما فيه من الغرابة والأهمية . وقد تقدم مثله عند قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر في سورة البقرة .

و ( عدو ) وصف من العداوة بوزن فعول بمعنى فاعل فلذلك لزم حالة الإفراد والتذكير إذا كان وصفا ، وقد مضى ذلك عند قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم في سورة النساء . فأما إذا أريد منه معنى الاسمية فيطابق ما أجري عليه ، قال تعالى يكونوا لكم أعداء .

والإخبار عن بعض الأزواج والأولاد بأنهم عدو يجوز أن يحمل على الحقيقة فإن بعضهم قد يضمر عداوة لزوجه وبعضهم لأبويه من جراء المعاملة بما لا يروق عنده مع خباثة في النفس وسوء تفكير فيصير عدوا لمن حقه أن يكون له صديقا ، ويكثر أن تأتي هذه العداوة من اختلاف الدين ومن الانتماء إلى الأعداء .

ويجوز أن يكون على معنى التشبيه البليغ ، أي كالعدو في المعاملة بما هو من شأن معاملة الأعداء كما قيل في المثل يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو لعدوه . وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه .

وعطف على قوله ( فاحذروهم ) جملة ( وإن تعفوا وتصفحوا ) إلى آخرها عطف الاحتراس لأنه إذا كان العفو مطلوبا محبوبا إلى الله تعالى وهو لا يكون إلا بعد حصول الذنب فإن عدم المؤاخذة على مجرد ظن العداوة أجدر بالطلب ففهم النهي عن معاملة الأزواج والأبناء معاملة الأعداء لأجل إيجاس العداوة ، بل المقصود من التحذير التوقي وأخذ الحيطة لابتداء المؤاخذة ، ولذلك قيل الحزم سوء الظن بالناس ، أي لكن دون أن يبنى على ذلك الظن معاملة من صدر منه ما ظننت [ ص: 285 ] به قال تعالى ( إن بعض الظن إثم ) وقال ( أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) .

والعفو : ترك المعاقبة على الذنب بعد الاستعداد لها . ولو مع توبيخ .

والصفح : الإعراض عن المذنب ، أي ترك عقابه على ذنبه دون التوبيخ .

والغفر : ستر الذنب وعدم إشاعته .

والجمع بينها هنا إيماء إلى تراتب آثار هذه العداوة وما تقتضيه آثارها من هذه المعاملات الثلاث . وحذف متعلق الأفعال الثلاثة لظهور أن المراد من أولادكم وأزواجكم فيما يصدر منهم مما يؤذيكم ، ويجوز أن يكون حذف المتعلق لإرادة عموم الترغيب في العفو .

وإنما يعفو المرء ويصفح ويغفر عن المذنب إذا كان ذنبه متعلقا بحق ذلك المرء وبهذه الأفعال المذكورة هنا مطلقة وفي أدلة الشريعة تقييدات لها .

وجملة ( فإن الله غفور رحيم ) دليل جواب الشرط المحذوف المؤذن بالترغيب في العفو والصفح والغفر فالتقدير وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا يحب الله ذلك منكم لأن الله غفور رحيم ، أي للذين يغفرون ويرحمون ، وجمع وصف ( رحيم ) الخصال الثلاث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث