الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب العتق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2381 [ ص: 131 ] 49

كتاب العتق [ ص: 132 ] [ ص: 133 ] بسم الله الرحمن الرحيم

49 - كتاب العتق أصله من: عتق الفرخ؛ إذا استقل، وهو شرعا: إزالة ملك عن آدمي لا إلى مالك تقربا إلى الله تعالى.

1 - باب: في العتق وفضله وقوله: فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة [البلد: 13 - 14]

2517 - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد قال: حدثني واقد بن محمد قال: حدثني سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن حسين قال: قال لي أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار". قال سعيد ابن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن حسين، فعمد علي بن حسين رضي الله عنهما إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم -أو ألف دينار- فأعتقه. [6715 - مسلم: 1509 - فتح: 5 \ 146]

[ ص: 134 ]

التالي السابق


[ ص: 134 ] ثم ساق حديث سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن حسين قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار". قال سعيد ابن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن حسين، فعمد علي بن حسين رضي الله عنهما إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم -أو ألف دينار- فأعتقه ..

معنى فك رقبة : اقتحام العقبة فك رقبة، أو فلم يقتحم العقبة إلا من فك رقبة أو أطعم، وفكها: تخليصها من الأسر أو عتقها من الرق، وسمي الرقيق رقبة; لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. قال سعيد بن مسعدة: قراءة: فك رقبة أحب إلي; لأنه فسر (العقبة)؛ أي: في فك رقبة.

وكذا قال الزجاج: من قرأ: فك رقبة فالمعنى: اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام، ومن قرأ: (فك رقبة) فهو محمول على المعنى، والمسغبة: المجاعة.

وقوله: (ذا مقربة)؛ أي: ذا قرابة، تقول: زيد ذو قرابتي وذو مقربتي، وزيد قرابتي: قبيح; لأن القرابة المصدر.

قال الشاعر:


يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور

ولابن زنجويه في "فضائل الأعمال" من حديث البراء بن عازب: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملا يدخلني الجنة. فقال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة". فقال: يا رسول الله، أوليسا واحدا؟ قال: "لا، عتق النسمة أن تنفرد [ ص: 135 ] بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها". وللبيهقي: "من أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار" .

وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا، وفي رواية له: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إرب منه إربا منه من النار" .

ولهما من حديثه: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه". ذكره البخاري في كتاب النذور، ولأبي الفضل الجوزي: "حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفم بالفم". فقال له علي بن حسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال: ادعوا لي أفره غلماني مطرفا، فأعتقه.

وجاء في فضله عدة أحاديث، منها: حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة مرفوعا: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منهما عضوا منه من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار [ ص: 136 ] يجزئ كل عضو منها عضوا منها". ثم قال: حسن صحيح غريب.

ولأبي داود عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

ولأبي داود والنسائي من حديث واثلة بن الأسقع: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد استوجب -يعني: النار- بالقتل. فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار" وصححه ابن حبان والحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين.

ومعنى (أوجب): ركب معصية توجب النار، ويقال للحسنة أيضا: موجبة.

ولأبي داود، عن عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل وقاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جل وعز جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظما من عظام محررها من النار".

وللجوزي: "من أعتق نفسا مسلمة كانت فديته من جهنم".

[ ص: 137 ] ولأحمد من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار".

وفي لفظ: "فداؤه". قال الحاكم: صحيح الإسناد وشاهده حديث أبي موسى. يعني الآتي بعد.

وعن معاذ مرفوعا مثله.

وللنسائي من حديث مالك بن عمرو القشيري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار".

ولأحمد: "رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار، مكان كل عظم من عظام محرره بعظم من عظامه".

[ ص: 138 ] وللحاكم من حديث أبي موسى مرفوعا: "من يعتق أعتق الله مكان كل عضو منه عضوا منه من النار".

ولابن زنجويه من حديث عائشة مرفوعا: "من أعتق عضوا من مملوك أعتق الله بكل عضو منه عضوا".

قال الخطابي: فعلى هذا لا ينبغي أن يكون المعتق ناقصا بعور أو شلل وشبههما، ولا معيبا بعيب يضر بالعمل، وقيل: بالسعي والاكتساب، وربما كان نقص بعض الأعضاء زيادة في الثمن كالخصي; إذ يصلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم ونحوه، فلا يكره، على أنه لا يخل بالعمل. وقال القاضي عياض: اختلف العلماء: أيما أفضل عتق الإناث أو الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل; لأنها إذا عتقت كان ولدها حرا، سواء تزوجها حر أو عبد. وقال آخرون: الذكر أفضل; لحديث أبي أمامة; ولما في الذكر من المعاني العامة التي لا توجد في الإناث; ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق وتضيع به، بخلاف العبد، وهذا هو الصحيح، واستحب بعض العلماء أن يعتق الذكر الذكر والأنثى مثلها، ذكره الفريابي في "الهداية" لتتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء.

تنبيهات:

أحدها: لا شك أن الزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة، فيحمل الحديث على أنه أراد مس الأعضاء بعضها بعضا من غير إيلاج، وهذا صغيرة،

[ ص: 139 ] ويحتمل أن يريد أن لعتق الفرج حظا في الموازنة فيكفر الزنا. ثانيها: قال المهلب: فيه فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما ينجي الله به من النار، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النار، وإن كانت صدقة تصدق عليه واجتنى في الآخرة.

ثالثها: هذا الحديث يبين أن تقويم باقي العبد على من أعتق شقصا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه من النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، وهذا أولى من قول من قال: إنما ألزم عتق باقيه لتكميل حرمة العبد، فتتم شهادته وحدوده، وهو قول لا دلالة عليه.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث