الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الخسف

2183 حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد قال أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج والدابة وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع عن سفيان عن فرات نحوه وزاد فيه الدخان حدثنا هناد حدثنا أبو الأحوص عن فرات القزاز نحو حديث وكيع عن سفيان حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي عن شعبة والمسعودي سمعا من فرات القزاز نحو حديث عبد الرحمن عن سفيان عن فرات وزاد فيه الدجال أو الدخان حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي عن شعبة عن فرات نحو حديث أبي داود عن شعبة وزاد فيه قال والعاشرة إما ريح تطرحهم في البحر وإما نزول عيسى ابن مريم قال أبو عيسى وفي الباب عن علي وأبي هريرة وأم سلمة وصفية بنت حيي وهذا حديث حسن صحيح

التالي السابق


قوله : ( عن فرات القزاز ) هو فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز الكوفي ثقة من الخامسة ( عن حذيفة بن أسيد ) بفتح الهمزة وكسر السين الغفاري صحابي من أصحاب الشجرة ، وكنيته أبو [ ص: 344 ] سريحة بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالحاء المهملة .

قوله : ( أشرف علينا ) وفي رواية مسلم : اطلع علينا قال في القاموس أشرف عليه اطلع من فوق ( من غرفة ) بالضم ، العلية وهي بالفارسية بالأخانة وحجره بالاى حجره ، ( ونحن نتذاكر ) أي فيما بيننا ( الساعة ) أي أمر القيامة واحتمال قيامها في كل ساعة ( عشر آيات ) أي علامات ( ويأجوج ومأجوج ) بألف فيهما ويهمز أي خروجهما ، ويأتي الكلام عليهما في باب خروج يأجوج ومأجوج ( والدابة ) وهي المذكورة في قوله تعالى وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم الآية ، قال المفسرون هي دابة عظيمة تخرج من صدع في الصفا ، وعن ابن عمرو بن العاص أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال ، قاله النووي .

وقال الجزري في النهاية : دابة الأرض قيل طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر ، وقيل هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع ، والناس سائرون إلى منى ، وقيل من أرض الطائف ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب ، تضرب المؤمن بالعصا وتكتب في وجهه مؤمن ، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه كافر انتهى ، اعلم أن المفسرين قد ذكروا لدابة الأرض أوصافا كثيرة من غير ذكر ما يدل على ثبوتها ، فكل ما ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة فهو المعتمد ، وما لا فلا اعتماد عليه .

( وثلاثة خسوف ) قال ابن الملك : قد وجد الخسف في مواضع لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد كأن يكون أعظم مكانا وقدرا ( خسف ) بالجر على أنه بدل مما قبله وبالرفع على تقدير أحدها أو منها ( من قعر عدن ) أي أقصى أرضها وهو غير منصرف وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع ففي المشارق عدن مدينة مشهورة باليمن ، وفي القاموس عدن محركة جزيرة باليمن ، وفي رواية : تخرج من أرض الحجاز ، قال القاضي عياض : لعلها ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون ابتداء خروجهما من اليمن وظهورها من الحجاز ، ذكره القرطبي رحمه الله تعالى ( تسوق ) أي تطرد النار ( أو تحشر ) أو للشك من الراوي في رواية مسلم : تسوق الناس إلى [ ص: 345 ] المحشر أي إلى المجمع والموقف ، قيل المراد من المحشر أرض الشام إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام ، ولكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها قاله القاري ، ( وتقيل ) قال في القاموس : قال قيلا وقائلة وقيلولة ومقالا ومقيلا وتقيل نام في نصف النهار انتهى .

قوله : ( وزاد فيه والدخان ) قال الطيبي هو الذي ذكر في قوله تعالى يوم تأتي السماء بدخان مبين وذلك كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ، وقال النووي في شرح هذا الحديث : إنه يؤيد قوله من قال ، أن الدخان دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام ، وإنه لم يأت بعد ، وإنما يكون قريبا من قيام الساعة ، وقال ابن مسعود : إنما هو عبارة عما نال قريشا من القحط حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان ، وقد وافق ابن مسعود جماعة ، وقال بالقول الآخر حذيفة وابن عمر والحسن ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما ، ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار انتهى ، وقال القرطبي في التذكرة قال ابن دحية : والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين ، إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وتكون ، فأما التي كانت فهي التي كانوا يرون فيها كهيئة الدخان ، غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات ، التي هي من الأشراط والعلامات ، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فيكشف عنهم ثم يعودون لقرب الساعة ، وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من تفسيره ، وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه ، قال القرطبي وقد روي عن ابن مسعود أنهما دخانان ، قال مجاهد كان ابن مسعود يقول هما دخانان ، قد مضى أحدهما والذي بقي يملأ بين السماء والأرض انتهى .

[ ص: 346 ] قوله : ( أخبرنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي ) قال في التقريب : الحكم بن عبد الله أبو النعمان البصري قيل إنه قيسي أو أنصاري أو عجلي ثقة ، له أوهام من التاسعة .

قوله : ( إما ريح تطرحهم في البحر ) أي تلقيهم فيه ، قوله : ( وفي الباب عن علي وأبي هريرة وأم سلمة وصفية ) أما حديث علي وحديث أبي هريرة فأخرجهما الترمذي في الباب الذي بعد باب أشراط الساعة ، وأما حديث أم سلمة فأخرجه مسلم في كتاب الفتن ، وأما حديث صفية فأخرجه الترمذي في هذا الباب .

اعلم أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر ولذا اختلف أهل العلم في ترتيبها ، فقد قيل إن أول الآيات الدخان ، ثم خروج الدجال ، ثم نزول عيسى عليه السلام ، ثم خروج يأجوج ومأجوج ، ثم خروج الدابة ، ثم طلوع الشمس من مغربها ، فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة ، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان مقبولا من الكفار ، فالواو لمطلق الجمع فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات ، وقال في فتح الودود قيل : أول الآيات الخسوفات ، ثم خروج الدجال ، ثم نزول عيسى عليه السلام ، ثم خروج يأجوج ومأجوج ، ثم الريح التي تقبض عندها أرواح أهل الإيمان ، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها ، ثم تخرج دابة الأرض ، ثم يأتي الدخان ، قال صاحب فتح الودود والأقرب في مثله التوقف والتفويض إلى عالمه انتهى .

قلت : ذكر القرطبي في تذكرته مثل هذا الترتيب إلا أنه جعل الدجال مكان الدخان .

وذكر البيهقي عن الحاكم مثل ترتيب القرطبي وجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها ، فالظاهر بل المتعين هو ما قال صاحب فتح الودود من أن الأقرب في مثله هو التوقف والتفويض إلى عالمه .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث