الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 222 ] سورة المنافقون

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ) الآية [ 7 ] .

821 - أخبرنا عبد الرحمن بن عبدان ، حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، حدثنا سعيد بن مسعود ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان معنا ناس من الأعراب وكنا نبتدر الماء ، وكان الأعراب يسبقونا ، فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض [ ويجعل حوله الحجارة ] ، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، فأتى رجل من الأنصار فأرخى زمام ناقته لتشرب ، فأبى أن يدعه الأعرابي [ فانتزع حجرا ففاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى الأنصاري عبد الله بن أبي ، رأس المنافقين ، فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الأعراب - ثم قال لأصحابه : إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل . قال زيد بن أرقم : وأنا ردف عمي ، فسمعت عبد الله فأخبرت [ عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، [ فحلف وجحد واعتذر ، فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] وكذبني ، فجاء إلي عمي فقال : ما أردت [ إلا ] أن مقتك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذبك المسلمون ، فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط ، فبينا أنا أسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتاني فعرك أذني ، وضحك في وجهي ، فما كان يسرني أن لي بها الدنيا ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة المنافقين : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) حتى بلغ : ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) حتى بلغ : ( ليخرجن الأعز منها الأذل ) . وقال أهل التفسير وأصحاب السير : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق ، فنزل على ماء من مياههم يقال له : المريسيع ، فوردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير [ له ] من بني غفار يقال له : جهجاه بن سعيد يقود فرسه ، فازدحم جهجاه ، وسنان الجهني حليف بني عوف من الخزرج على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ، وصرخ الغفاري : يا معشر المهاجرين ، [ فأعان جهجاها رجل من المهاجرين يقال له جعال ; وكان فقيرا . فقال له عبد الله بن أبي : وإنك لهناك ! فقال : وما يمنعني أن أفعل ذلك ؟ ! واشتد لسان جعال على عبد الله . فقال عبد الله : والذي يحلف به لأذرنك ، ويهمك غير هذا [ شيء ] ؟ . وغضب عبد الله ، فقال : والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، إنا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . يعني بالأعز نفسه ، وبالأذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ثم أقبل على من حضره من قومه ، فقال : هذا ما فعلتم [ ص: 223 ] بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ; أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام ، لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم ; فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد . قال زيد بن أرقم - وكان حاضرا ويسمع ذلك - فقال : أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد في عز من الرحمن ، ومودة من المسلمين ; والله لا أحبك بعد كلامك هذا . فقال عبد الله : اسكت ، فإنما كنت ألعب ، فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب . فقال : دعني أضرب عنقه يا رسول الله . فقال : " إذن ترعد له أنف كبيرة بيثرب " . فقال عمر : فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين ، فمر سعد بن عبادة أو محمد بن مسلمة ، أو عبادة بن بشر فليقتلوه . فقال : " إذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " . وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد الله بن أبي فأتاه ، فقال له : " أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني ؟ " فقال عبد الله : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من هذا قط ، وإن زيدا لكاذب . وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما ; فقال من حضر من الأنصار : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا ، لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون وهم في حديثه فلم يحفظ . فعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وفشت الملامة في الأنصار لزيد وكذبوه ، وقال له عمه : ما أردت إلا أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ومقتوك . فاستحيا زيد بعد ذلك أن يدنو من النبي - صلى الله عليه وسلم - . فلما ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه أسيد بن حضير ، فقال له : أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي ؟ قال : وما قال ؟ قال : زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال أسيد : فأنت يا رسول الله - والله تخرجنه إن شئت ، هو والله الذليل ، وأنت العزيز . ثم قال : يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، وإنه ليرى أنك سلبته ملكا . وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه ; فإن كنت فاعلا فمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه ! فوالله لقد علمت الخزرج ما بها رجل أبر بوالديه مني ، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بل نحسن صحبته ما بقي معنا " ] . [ ولما وافى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، قال زيد بن أرقم : جلست في البيت لما بي من الهم والحياء ، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديقي وتكذيب عبد الله فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد ، فقال : " يا زيد ، إن الله تعالى صدقك وأوفى بأذنك " ، وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة ، فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة ] . فلما أن جاء عبد الله بن أبي قال ابنه : وراءك ! قال : ما لك ؟ ويلك ؟ ! قال : لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولتعلم اليوم من الأعز من الأذل ؟ فشكا عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صنع ابنه ، فأرسل إليه رسول الله " أن خل [ ص: 224 ] عنه حتى يدخل " فقال : أما إذ جاء أمر النبي عليه الصلاة والسلام فنعم ، فدخل ، فلما نزلت هذه السورة وبان كذبه قيل له : يا أبا حباب إنه قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر لك ، فلوى رأسه ، فذلك قوله : ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ) الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث