الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك

إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن

من هنا يبتدئ ما نزل من هذه السورة بالمدينة كما تقدم ذكره في أول السورة .

وصريح هذه الآية ينادي على أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم من الليل قبل نزول الآية وأن طائفة من أصحابه كانوا يقومون عملا بالأمر الذي في أول السورة من قوله قم الليل إلا قليلا الآية ، فتعين أن هذه الآية نزلت للتخفيف عنهم جميعا لقوله فيها فتاب عليكم فهي ناسخة للأمر الذي في أول السورة .

[ ص: 279 ] واختلف السلف في وقت نزولها ومكانه وفي نسبة مقتضاها من مقتضى الآية التي قبلها . والمشهور الموثوق به أن صدر السورة نزل بمكة .

ولا يغتر بما رواه الطبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة مما يوهم أن صدر السورة نزل بالمدينة . ومثله ما روي عن النخعي في التزمل بمرط لعائشة .

ولا ينبغي أن يطال القول في أن القيام الذي شرع في صدر السورة كان قياما واجبا على النبيء - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، وأن قيام من قام من المسلمين معه بمكة إنما كان تأسيا به وأقرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - عليه ولكن رأت عائشة أن فرض الصلوات الخمس نسخ وجوب قيام الليل ، وهي تريد أن قيام الليل كان فرضا على المسلمين ، وهو تأويل ، كما لا ينبغي أن يختلف في أن أول ما أوجب الله على الأمة هو الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج وأنها لم يكن قبلها وجوب صلاة على الأمة ولو كان لجرى ذكر تعريضه بالصلوات الخمس في حديث المعراج ، وأن وجوب الخمس على النبيء - صلى الله عليه وسلم - مثل وجوبها على المسلمين . وهذا قول ابن عباس ؛ لأنه قال : إن قيام الليل لم ينسخه إلا آية إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل الآية ، ولا أن يختلف في أن فرض الصلوات الخمس لم ينسخ فرض القيام على النبيء - صلى الله عليه وسلم - سوى أنه نسخ استيعاب نصف الليل أو دونه بقليل فنسخه فاقرءوا ما تيسر من القرآن .

وقد بين ذلك حديث ابن عباس ليلة بات في بيت خالته ميمونة أم المؤمنين قال فيه : نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله حتى إذا كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ، ثم وصف وضوءه وأنه صلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى جاءه المنادي لصلاة الصبح . وابن عباس يومئذ غلام فيكون ذلك في حدود سنة سبع أو ثمان من الهجرة .

ولم ينقل أن المسلمين كانوا يقومون معه إلا حين احتجز موضعا من المسجد لقيامه في ليالي رمضان فتسامع أصحابه به فجعلوا ينسلون إلى المسجد ليصلوا بصلاة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - حتى احتبس عنهم في إحدى الليالي وقال لهم لقد خشيت أن تفرض عليكم وذلك بالمدينة وعائشة عنده كما تقدم في أول السورة .

[ ص: 280 ] وهو صريح في أن القيام الذي قاموه مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن فرضا عليهم وأنهم لم يدوموا عليه وفي أنه ليس شيء من قيام الليل بواجب على عموم المسلمين وإلا لما كان لخشية أن يفرض عليهم موقع ؛ لأنه لو قدر أن بعض قيام الليل كان مفروضا لكان قيامهم مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - أداء لذلك المفروض ، وقد عضد ذلك حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لحفصة وقد قصت عليه رؤيا رآها عبد الله بن عمر إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم في الليل .

وافتتاح الكلام بـ إن ربك يعلم أنك تقوم يشعر بالثناء عليه لوفائه بحق القيام الذي أمر به وأنه كان يبسط إليه ويهتم به ثم يقتصر على القدر المعين فيه النصف أو أنقص منه قليلا أو زائد عليه بل أخذ بالأقصى وذلك ما يقرب من ثلثي الليل كما هو شأن أولي العزم كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى فلما قضى موسى الأجل أنه قضى أقصى الأجلين وهو العشر السنون .

وقد جاء في الحديث أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم من الليل حتى تورمت قدماه .

وتأكيد الخبر بـ ( إن ) للاهتمام به ، وهو كناية عن أنه أرضى ربه بذلك وتوطئة للتخفيف الذي سيذكر في قوله فتاب عليكم ليعلم أنه تخفيف رحمة وكرامة ولإفراغ بعض الوقت من النهار للعمل والجهاد .

ولم تزل تكثر بعد الهجرة أشغال النبيء - صلى الله عليه وسلم - بتدبير مصالح المسلمين وحماية المدينة وتجهيز الجيوش ونحو ذلك ، فلم تبق في نهاره من السعة ما كان له فيه أيام مقامه بمكة ، فظهرت حكمة الله في التخفيف عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قيام الليل الواجب منه والرغيبة .

وفي حديث علي بن أبي طالب أنه سئل عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - إذا آوى إلى منزله فقال : كان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا لله ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئا فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم .

[ ص: 281 ] وإيثار المضارع في قوله ( يعلم ) للدلالة على استمرار ذلك العلم وتجدده وذلك إيذان بأنه بمحل الرضى منه .

وفي ضده قوله قد يعلم الله المعوقين منكم ؛ لأنه في معرض التوبيخ ، أي : لم يزل عالما بذلك حينا فحينا لا يخفى عليه منه حصة .

و ( أدنى ) أصله : أقرب ، من الدنو ، استعير للأقل ؛ لأن المسافة التي بين الشيء والأدنى منه قليلة ، وكذلك يستعار الأبعد للأكثر .

وهو منصوب على الظرفية لفعل ( تقوم ) ، أي : تقوم في زمان يقدر أقل من ثلثي الليل وذلك ما يزيد على نصف الليل وهو ما اقتضاه قوله تعالى أو زد عليه .

وقرأ الجمهور ( ثلثي ) بضم اللام على الأصل . وقرأه هشام عن ابن عامر بسكون اللام على التخفيف ؛ لأنه عرض له بعض الثقل بسبب التثنية .

وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ( ونصفه وثلثه ) بخفضهما عطفا على ( ثلثي الليل ) ، أي : أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه .

وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بنصب ( ونصفه وثلثه ) على أنهما منصوبان على المفعول لـ ( تقوم ) أي : تقوم ثلثي الليل ، وتقوم نصف الليل ، وتقوم ثلث الليل ، بحيث لا ينقص عن النصف وعن الثلث . وهذه أحوال مختلفة في قيام النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالليل تابعة لاختلاف أحوال الليالي والأيام في طول بعضها وقصر بعض ، وكلها داخلة تحت التخيير الذي خيره الله في قوله قم الليل إلا قليلا إلى قوله أو زد عليه .

وبه تظهر مناسبة تعقيب هذه الجملة بالجملة المعترضة ، وهي جملة والله يقدر الليل والنهار أي : قد علمها الله كلها وأنبأه بها . فلا يختلف المقصود باختلاف القراءات . فمن العجاب قول الفراء أن النصب أشبه بالصواب .

و ( طائفة ) عطف على اسم ( إن ) بالرفع وهو وجه جائز إذا كان بعد ذكر خبر ( إن ) ؛ لأنه يقدر رفعه حينئذ على الاستئناف كما في قوله تعالى أن الله بريء من المشركين ورسوله . وهو من اللطائف إذا كان اتصاف الاسم والمعطوف [ ص: 282 ] بالخبر مختلفا فإن بين قيام النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقيام الطائفة التي معه تفاوتا في الحكم والمقدار ، وكذلك براءة الله من المشركين وبراءة رسوله . فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن ويعاملهم ، وأما الله فغاضب عليهم ولاعنهم . وهذا وجه العدول عن أن يقول : إن الله يعلم أنكم تقومون . إلى قوله ( أنك تقوم ) ثم قوله ( وطائفة ) إلخ .

ووصف ( طائفة ) بأنهم من الذين معك ، فإن كان المراد بالمعية المعية الحقيقية ، أي : المصاحبة في عمل مما سيق له الكلام ، أي المصاحبين لك في قيام الليل ، لم يكن في تفسيره تعيين لناس بأعيانهم ، ففي حديث عائشة في صحيح البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبح قال : قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان .

وإن كانت المعية معية مجازية وهي الانتساب والصحبة والموافقة فقد عددنا منهم عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمرو ، وسلمان الفارسي وأبا الدرداء ، وزينب بنت جحش ، وعبد الله بن عمر ، والحولاء بنت تويت الأسدية ، فهؤلاء ورد ذكرهم مفرقا في أحاديث التهجد من صحيح البخاري .

واعلم أن صدر هذه الآية إيماء إلى الثناء على النبيء - صلى الله عليه وسلم - في وفائه بقيام الليل حق الوفاء ، وعلى الطائفة الذين تابعوه في ذلك .

فالخبر بأن الله يعلم أنك تقوم مراد به الكناية عن الرضى عنهم فيما فعلوا .

والمقصود : التمهيد لقوله علم أن لن تحصوه إلى آخر الآية .

ولأجل هذا الاعتبار أعيد فعل ( علم ) في جملة علم أن سيكون منكم مرضى إلخ ولم يقل : وأن سيكون منكم مرضى ، بالعطف .

وجملة والله يقدر الليل والنهار معترضة بين جملتي إن ربك يعلم أنك تقوم وجملة علم أن لن تحصوه وقد علمت مناسبة اعتراضها آنفا .

[ ص: 283 ] وجملة علم أن لن تحصوه يجوز أن تكون خبرا ثانيا عن ( أن ) بعد الخبر في قوله يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل إلخ .

ويجوز أن تكون استئنافا بيانيا لما ينشأ عن جملة إن ربك يعلم أنك تقوم من ترقب السامع لمعرفة ما مهد له بتلك الجملة ، فبعد أن شكرهم على عملهم خفف عنهم منه .

والضمير المنصوب في ( تحصوه ) عائد إلى القيام المستفاد من أنك تقوم .

والإحصاء حقيقته : معرفة عدد شيء معدود ، مشتق من اسم الحصى جمع حصاة ؛ لأنهم كانوا إذا عدوا شيئا كثيرا جعلوا لكل واحد حصاة وهو هنا مستعار للإطاقة . شبهت الأفعال الكثيرة من ركوع وسجود وقراءة في قيام الليل ، بالأشياء المعدودة ، وبهذا فسر الحسن وسفيان ، ومنه قوله في الحديث " استقيموا ولن تحصوا " أي : ولن تطيقوا تمام الاستقامة ، أي : فخذوا منها بقدر الطاقة .

و ( أن ) مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة ، وقد وقع الفصل بين ( أن ) وخبرها بحرف النفي لكون الخبر فعلا غير دعاء ولا جامد حسب المتبع في الاستعمال الفصيح .

و ( أن ) وجملتها سادة مسد مفعولي ( علم ) إذ تقديره علم عدم إحصائكموه واقعا .

وفرع على ذلك فتاب عليكم وفعل ( تاب ) مستعار لعدم المؤاخذة قبل حصول التقصير ؛ لأن التقصير متوقع فشابه الحاصل فعبر عن عدم التكليف بما يتوقع التقصير فيه بفعل ( تاب ) المفيد رفع المؤاخذة بالذنب بعد حصوله .

والوجه أن يكون الخطاب في قوله ( تحصوه ) وما بعده موجها إلى المسلمين الذين كانوا يقومون الليل : إما على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب بعد قوله وطائفة من الذين معك ، وإما على طريقة العام المراد به الخصوص بقرينة أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لا يظن تعذر الإحصاء عليه ، وبقرينة قوله أن سيكون منكم مرضى إلخ .

ومعنى فاقرءوا ما تيسر من القرآن فصلوا ما تيسر لكم ، ولما كانت الصلاة لا تخلو عن قراءة القرآن أتبع ذلك بقوله هنا فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، أي : [ ص: 284 ] صلوا كقوله تعالى ( وقرآن الفجر ) أي : صلاة الفجر ، وفي الكناية عن الصلاة بالقرآن جمع بين الترغيب في القيام والترغيب في تلاوة القرآن فيه بطريقة الإيجاز .

والمراد القرآن الذي كان نزل قبل هذه الآية المدنية وهو شيء كثير من القرآن المكي كله وشيء من المدني ، وليس مثل قوله في صدر السورة ورتل القرآن ترتيلا كما علمت هنالك .

وقوله ما تيسر من القرآن أي : ما تيسر لكم من صلاة الليل فلا دلالة في هذه الآية على مقدار ما يجزئ من القراءة في الصلاة إذ ليس سياقها في هذا المهيع ، ولئن سلمنا ، فإن ما تيسر مجمل وقد بينه قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وأما السورة مع الفاتحة فإنه لم يرو عنه أنه قرأ في الصلاة أقل من سورة ، وهو الواجب عند جمهور الفقهاء فيكره أن يقرأ المصلي بعض سورة في الفريضة . ويجوز في القيام بالقرآن في الليل وفي قيام رمضان ، وعند الضرورة ، ففي الصحيح أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ فأخذته بحة فركع ، أي : في أثناء السورة .

وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه : تجزئ قراءة آية من القرآن ولو كانت قصيرة ، ومثله الحنفية بقوله تعالى ( مدهامتان ) ولا تتعين فاتحة الكتاب ، وخالفه صاحباه في الأمرين .

وتعيين من تجب عليه القراءة من منفرد وإمام ومأموم مبين في كتب الفقه .

وفعل ( تاب ) إذا أريد به قبول توبة التائب عدي بحرف ( على ) لتضمينه معنى من ، وإذا كان بمعنى الرجوع عن الذنب والندم منه عدي بما يناسب .

وقد نسخت هذه الآية تحديد مدة قيام الليل بنصفه أو أزيد أو أقل ثلثه ، وأصحب التحديد بالمقدار المتيسر من غير ضبط ، أما حكم ذلك القيام فهو على ما تقدم شرحه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث