الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم .

جملة وتؤمنون معطوفة على تحبونهم كما أن جملة وإذا لقوكم ، معطوفة على ولا يحبونكم وكلها أحوال موزعة على ضمائر الخطاب وضمائر الغيبة .

والتعريف في الكتاب للجنس وأكد بصيغة المفرد مراعاة للفظه ، وأراد بهذا جماعة من منافقي اليهود أشهرهم زيد بن الصتيت القينقاعي .

والعض : شد الشيء بالأسنان . وعض الأنامل كناية عن شدة الغيظ والتحسر ، وإن لم يكن عض أنامل محسوسا ، ولكن كني به عن لازمه في المتعارف ، فإن الإنسان إذا اضطرب باطنه من الانفعال صدرت عنه أفعال تناسب ذلك الإنفعال ، فقد تكون معينة على دفع انفعاله كقتل عدوه ، وفي ضده تقبيل من يحبه ، وقد تكون قاصرة عليه يشفي بها بعض انفعاله ، كتخبط الصبي في الأرض إذا غضب ، وضرب الرجل نفسه من الغضب ، وعضه أصابعه من الغيظ ، وقرعه سنه من الندم ، وضرب الكف بالكف من التحسر ، ومن ذلك التأوه والصياح ونحوها ، وهي ضروب من علامات الجزع ، وبعضها جبلي كالصياح ، وبعضها عادي يتعارفه الناس ويكثر بينهم ، فيصيرون يفعلونه بدون تأمل ، وقال الحارث بن ظالم المري :

[ ص: 67 ]

فأقبل أقوام لئام أذلة يعضون من غيظ رءوس الأباهم

وقوله عليكم على فيه للتعليل ، والضمير المجرور ضمير المسلمين ، وهو من تعليق الحكم بالذات بتقدير حالة معينة ، أي على التئامكم وزوال البغضاء ، كما فعل شاس بن قيس اليهودي فنزل فيه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ونظير هذا التعليق قول الشاعر :


لتقرعن على السن من ندم     إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي

و من الغيظ ، من للتعليل . والغيظ : غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام .

وقوله قل موتوا بغيظكم كلام لم يقصد به مخاطبون معينون لأنه دعاء على الذين يعضون الأنامل من الغيظ ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا ، فلا يتصور مشافهتهم بالدعاء على التعيين ولكنه كلام قصد إسماعه لكل من يعلم من نفسه الاتصاف بالغيظ على المسلمين ، وهو قريب من الخطاب الذي يقصد به عموم كل مخاطب ، نحو ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم .

والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحه طلب موتهم بسبب غيظهم ، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت ، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم ، وهو حسن حال المسلمين ، وانتظام أمرهم ، وازدياد خيرهم ، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم ، وبتعجيل موتهم به ، وكل من المعنيين المكني بهما مراد هنا ، والتكني بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور ، والعرب تقول : فلان محسد ، أي هو في حالة نعمة وكمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث