الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون

ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين استئناف ناشئ عن الوعيد والتقريع لهم بالويل على التطفيف وما وصفوا به من الاعتداء على حقوق المبتاعين .

والهمزة للاستفهام التعجيبي بحيث يسأل السائل عن علمهم بالبعث ، وهذا يرجع أن الخطاب في قوله : ويل للمطففين موجه إلى المسلمين . ويرجع الإنكار والتعجب من ذلك إلى إنكار ما سيق هذا لأجله وهو فعل التطفيف . فأما المسلمون الخلص فلا شك أنهم انتهوا عن التطفيف بخلاف المنافقين .

والظن : مستعمل في معناه الحقيقي المشهور وهو اعتقاد وقوع شيء اعتقادا راجحا على طريقة قوله تعالى : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين .

وفي العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة في قوله : ألا يظن أولئك لقصد [ ص: 193 ] تمييزهم وتشهير ذكرهم في مقام الذم ، ولأن الإشارة إليهم بعد وصفهم بـ المطففين تؤذن بأن الوصف ملحوظ في الإشارة فيؤذن ذلك بتعليل الإنكار .

واللام في قوله : ليوم عظيم لام التوقيت مثل أقم الصلاة لدلوك الشمس .

وفائدة لام التوقيت إدماج الرد على شبهتهم الحاملة لهم على إنكار البعث باعتقادهم أنه لو كان بعث لبعثت أموات القرون الغابرة ، فأومأ قوله : ليوم أن للبعث وقتا معينا يقع عنده لا قبله .

ووصف يوم بـ عظيم باعتبار عظمة ما يقع فيه من الأهوال ، فهو وصف مجازي عقلي .

و يوم يقوم الناس لرب العالمين بدل من يوم عظيم بدلا مطابقا وفتحته فتحة بناء مثل ما تقدم في قوله تعالى : يوم لا تملك نفس لنفس شيئا في سورة الانفطار على قراءة الجمهور ذلك بالفتح .

ومعنى يقوم الناس أنهم يكونون قياما ، فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة .

واللام في لرب العالمين للأجل ، أي : لأجل ربوبية وتلقي حكمه .

والتعبير عن الله تعالى بوصف رب العالمين لاستحضار عظمته بأنه مالك أصناف المخلوقات .

واللام في العالمين للاستغراق كما تقدم في سورة الفاتحة .

قال في الكشاف : " وفي هذا الإنكار ، والتعجيب ، وكلمة الظن ، ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته بـ رب العالمين ، بيان بليغ لعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية " اهـ .

ولما كان الحامل على التطفيف احتقارهم أهل الجلب من أهل البوادي فلا [ ص: 194 ] يقيمون لهم ما هو شعار العدل والمساواة ، كان التطفيف لذلك منبئا عن إثم احتقار الحقوق ، وذلك قد صار خلقا لهم حتى تخلقوا بمكابرة دعاة الحق ، وقد أشار إلى هذا التنويه به قوله تعالى : والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان وقوله حكاية عن شعيب وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث