الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إليه يرد علم الساعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ [ ص: 117 ] وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط )

قوله تعالى : ( إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط )

واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في هذه الآية المتقدمة بقوله : ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة ، وكأن سائلا قال : ومتى يكون ذلك اليوم ؟ فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله ، فقال : ( إليه يرد علم الساعة ) وهذه الكلمة تفيد الحصر أي : لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله ، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى ، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين : أحدهما : قوله : ( وما تخرج من ثمرات من أكمامها ) والثاني : قوله : ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) قال أبو عبيدة : أكمامه أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة ، واحدها كم وكمة ، قرأ نافع ، وابن عامر وحفص عن عاصم : من ثمرات بالألف على الجمع والباقون : من ثمرة بغير ألف على الواحد .

واعلم أن نظير هذه الآية قوله : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ) إلى آخر الآية ، فإن قيل : أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالا كثيرة من أحوال العالم ، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم ، وههنا شيء آخر يسمى علم الرمل ، وهو كثير الإصابة .

وأيضا علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات ، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية ؟ قلنا : إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب البتة ، وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف ، والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين ، وبهذا الطريق زالت المنافاة ، والله أعلم ، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة ، وهذا الذي ذكره ههنا شديد التعلق أيضا [ ص: 118 ] بما وقع الابتداء به في أول السورة ، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) [ فصلت : 6 ] فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء والأنداد فقال : ( ويوم يناديهم أين شركائي ) أي بحسب زعمكم واعتقادكم قالوا " آذناك " قال ابن عباس : أسمعناك كقوله تعالى : ( وأذنت لربها وحقت ) [ الانشقاق : 2 ] بمعنى سمعت ، وقال الكلبي : أعلمناك وهذا بعيد ؛ لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علما واجبا ، فالإعلام في حقه محال .

ثم قال : ( ما منا من شهيد ) وفيه وجوه :

الأول : ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكا ، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى .

الثاني : ما منا من أحد يشاهدهم ؛ لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ .

الثالث : أن قوله : ( ما منا من شهيد ) كلام الأصنام فإن الله يحييها ، ثم إنها تقول ما منا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة ، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ضلوا عنهم .

ثم قال : ( وظنوا ما لهم من محيص ) وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول : إن الكفار ظنوا أولا ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب ، ومنهم من قال : إنهم ظنوا أولا أنه لا محيص لهم عن النار ، ثم أيقنوا ذلك بعده ، وهذا بعيد ؛ لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم ، ولما بين الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج ، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحس ببلاء ومحنة ذبل .

كما قيل في المثل : إن هذا كالقرلى ، إن رأى خيرا تدلى ، وإن رأى شرا تولى ، فقال : ( لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ) مبالغة من وجهين :

أحدهما : من طريق بناء فعول . والثاني : من طريق التكرير واليأس من صفة القلب ، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه والأحوال الظاهرة .

ثم بين تعالى أن هذا الذي صار آيسا قانطا لو عاودته النعمة والدولة ، وهو المراد من قوله : ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ) فإن هذا الرجل يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن الله تعالى :

فأولها أنه لا بد وأن يقول : هذا لي ، وفيه وجهان : الأول : معناه أن هذا حقي وصل إلي ، لأني استوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحدا لا يستحق على الله شيئا ، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عاريا عن الفضائل ، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفا بشيء من الفضائل والصفات الحميدة ، فهي بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه ، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده ، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سببا لأن يستحق على الله شيئا آخر ، فثبت بهذا فساد قوله ، إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي ، والوجه [ ص: 119 ] الثاني : أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي .

والنوع الثاني من كلماتهم الفاسدة : أن يقول : ( وما أظن الساعة قائمة ) يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة ، فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول : إنها لي وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول : ( وما أظن الساعة قائمة ) .

والنوع الثالث من كلماتهم الفاسدة : أن يقول : ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل ، وبتقدير أن يكون حقا ، فإن لي عنده للحسنى ، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه :

الأول : أن كلمة " إن " تفيد التأكيد .

الثاني : أن تقديم كلمة " لي " تدل على هذا التأكيد .

الثالث : قوله : ( عنده ) يدل على أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول : لي عند فلان كذا من الدنانير ، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده ، فلو قلت : إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك .

والرابع : اللام في قوله : ( للحسنى ) تفيد التأكيد .

الخامس : " للحسنى " يفيد الكمال في الحسنى .

ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال : ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ) أي نظهر لهم أن الأمر على ضد ما اعتقدوه وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان : 23 ] ( ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) في مقابلة قولهم : ( إن لي عنده للحسنى ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث