الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 324 ] فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ) .

دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة .

ودلت ( أما ) على معنى : مهما يكن من شيء ، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالها ، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبل الفاء المتصلة بها ، فلاح ذلك برقا وامضا ، وانجلى بلمعه ما كان غامضا ، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفيا ، فلنبينه بيانا جليا ، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثل بها مما أنعم الله عليها به من النعم وهم لاهون عن دعوة رسل الله ، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم ، مقتحمون المناكر التي نهوا عنها ، بطرون بالنعمة ، معجبون بعظمتهم ، فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا باستخلاص العبرة ، وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك ترفا وطغيانا وبطرا ، وتنبيههم على خطاهم ، إذ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهة توهموا بها أن الله جعلهم محل كرامة ، فحسبوا أن إنذار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة ، فتوهموا أن فعل الله بهم أدل على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه ، ونفوا أن يكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده ، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا ، فكان هذا الوهم مسولا لهم التكذيب بما أنذروا به من وعيد ، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة ، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة ، وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقتر الرزق . وقد تكرر في القرآن التعرض لإبطال ذلك كقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) .

وقد تضمن هذا الوهم أصولا انبنى عليها إنكار الجزاء في الآخرة ، وإنكار الحياة الثانية ، وتوهم دوام الأحوال .

[ ص: 325 ] ففاء التفريع مرتبطة بجملة ( إن ربك لبالمرصاد ) بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلا .

والمعنى : هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته .

فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسعة في الدنيا تكريم من الله له ، وما يناله من ضيق عيش إهانة أهانه الله بها .

وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة ، قال تعالى : ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) .

فأعلم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالحقيقة الحق ، ونبههم لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية ، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية ، وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر ، وفي ذلك كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالبا على أهل الجاهلية ، ولذلك قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية :


مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب     ولا يحسبون الخير لا شر بعده
ولا يحسبون الشر ضربة لازب



وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله : ( كلا ) فمناط الردع والإبطال كلا القولين ; لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالة كما ستعرفه عند قوله تعالى : ( فأكرمه ونعمه ) .

واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العلل والآفات ; لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا يهلكون إلا بقتل أو هرم فيهم وفي ذويهم ، قال النابغة :


تغشى متالف لا ينظرنك الهرما



[ ص: 326 ] ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نظم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابن عطية .

وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية ، قال طرفة :


فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم     ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي     بنون كرام سادة لمسود



وجعلوا هذا الغرور مقياسا لمراتب الناس ، فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر الفاخرة ، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس ، لذلك لما أتى الملأ من قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمار ، وبلال ، وخباب ، وسالم ، مولى أبي حذيفة ، وصبيح مولى أسيد ، وصهيب ، في أناس آخرين من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء : اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . وقالوا لأبي طالب : لو أن ابن أخيك طرد هؤلاء الأعبد والحلفاء ، كان أعظم له في صدورنا وأدلى لاتباعنا إياه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) الآية كما تقدم في سورة الأنعام .

فنبه الله على خطأ اعتقادهم بمناسبة ذكر مماثله مما اعتقده الأمم قبلهم الذي كان موجبا صب العذاب عليهم ، وأعلمهم أن أحوال الدنيا تتخذ أصلا في اعتبار الجزاء على العمل ، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة .

والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ، ولكنه استغراق عرفي مراد به الناس المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم ، وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله : ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) ( لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ونحو ذلك . ويدل لذلك قوله تعالى : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) الآية .

وقيل : أريد إنسان معين ، فقيل : عتبة بن ربيعة ، أو أبو حذيفة بن المغيرة عن ابن عباس ، وقيل : أمية بن خلف عن مقاتل والكلبي ، وقيل : أبي بن خلف عن الكلبي أيضا . وإنما هؤلاء المسمون أعلام التضليل . قال ابن عطية : ومن [ ص: 327 ] حيث كان هذا غالبا على الكفار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم الجنس إذ يقع ( كذا ) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اهـ .

واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها ، فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفته منافع ذلك ، تحكيما للشاهية ومحبة النفس ورجما بالغيب وافتياتا على الله ، وإذا صادف أحدهم من الحوادث ما جلب له ضرا تخيله بأوهامه انتقاما من الله قصده به ، تشاؤما منهم .

فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراما من الله لهم ليسوا أهلا لكرامة الله .

وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الرزق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة .

فذلك الاعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرف أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك ، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنة من ذلك لبعض ضعفاء الإيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الراوندي عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله :


كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه     وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة     وصير العالم النحرير زنديقا



وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها ، وصرفهم عن التدبر فيما ينيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه ، وعلم الله واسع وتصرفاته شتى ، وكلها صادرة عن حكمة ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب ، وقد يأتي النفع من أخرى . وبعض ذلك جار في [ ص: 328 ] الظاهر على المعتاد ، ومنه ما فيه سمة خرق العادة ، فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد ، والموفق يتيقظ للأمارات ، قال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) وقال : ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) وقال : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) .

وتصرفات الله متشابهة ، بعضها يدل على مراده من الناس ، وبعضها جار على ما قدره من نظام العالم ، وكل قد قضاه وقدره وسبق علمه به وربط مسبباته بأسبابه مباشرة أو بواسطة أو وسائط ، والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومه ، ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهمه ولم تنهض دلائله ، ويفوض ما أشكل عليه إلى علم الله . وليس مثل هذا المحكي عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية . وقد نجد في بعض العوام ومن يشبههم من الغافلين بقايا من اعتقاد أهل الجاهلية لإيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم ، فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية .

لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) . وقد يعجل العقاب لمن يغضب عليه من عباده . وقد حكى عن نوح قوله لقومه : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ) وقال تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) . ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء على الأمم العظيمة القاهرة ، وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه .

وحرف ( أما ) يفيد تفصيلا في الغالب ، أي : يدل على تقابل بين شيئين من ذوات وأحوال . ولذلك قد تكرر في الكلام ، فليس التفصيل المستفاد منها بمعنى تبيين مجمل قبلها ، بل هو تفصيل وتقابل وتوازن ، وهو ضرب من ضروب [ ص: 329 ] التفصيل الذي تأتي له ( أما ) ، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على ( أما ) ، وإنما تعلقه بما قبله تعلق المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل .

فالمفصل هنا أحوال الإنسان الجاهل فصلت إلى حاله في الخفض والدعة ، وحاله في الضنك والشدة ، فالتوازن بين الحالين المعبر عنهما بالظرفين في قوله : ( إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ) إلخ ، وفي قوله : ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) إلخ . وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المجمل ، ولكنه تمييز وفصل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط .

وقد تقدم ذكر ( أما ) عند قوله تعالى : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) الآية في سورة البقرة .

والابتلاء : الاختبار ويكون بالخير وبالضر ; لأن في كليهما اختبارا لثبات النفس وخلق الأناة والصبر ، قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية ، وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضا . قال تعالى : ( ليبلوني أأشكر أم أكفر ) وقال : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) والأشهر أنه الاختبار بالضر ، وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين .

والمعنى : إذا جعل ربه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرا لحاله في الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا .

والإكرام : قال الراغب : " أن يوصل إلى الإنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما ، أي : شريفا ، قال تعالى : ( بل عباد مكرمون ) ، أي : جعلهم كراما " . اهـ . يريد أن الإكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريما في صنفه فيصدق قوله تعالى : ( فأكرمه ) بأن يصيب الإنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه ، أو بأن جعل كريما سيدا شريفا . وقوله : ( فأكرمه ) من المعنى الأول للإكرام ، وقوله : ( فيقول ربي أكرمن ) من المعنى الثاني له في كلام الراغب ، واعلم أن قوله : ( ونعمه ) صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظا لهم ومعاملة بالرحمة ، والذي عليه المحققون من [ ص: 330 ] المتكلمين أن الكافر منعم عليه في الدنيا ، وهو قول الماتريدي والباقلاني . وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي ، والخلف لفظي .

ومعنى ( نعمه ) جعله في نعمة ، أي : في طيب عيش .

ومعنى ( فقدر عليه رزقه ) أعطاه بقدر محدود ، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضا عن الدال ، وكل ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق ، قال تعالى : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) .

والهاء في ( رزقه ) يجوز أن تعود إلى الإنسان من إضافة المصدر إلى المفعول ، ويجوز أن تعود إلى ( ربه ) من إضافة المصدر إلى فاعله .

والإهانة : المعاملة بالهون وهو الذل .

وإسناد ( فأكرمه ونعمه ) و ( فقدر عليه رزقه ) إلى الرب تعالى ؛ لأن الكرامة والنعمة انساقت إلى الإنسان أو انساق له قدر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعض الحوادث بعضا ، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فرصها ومناسباتها .

والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم ، وإنما يتكلم الإنسان عن اعتقاد . فالمعنى : فيقول ربي أكرمني ، معتقدا ذلك ، ويقول : ربي أهانني ، معتقدا ذلك ؛ لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة ، أو يتذمروا من الضيق والحاجة ، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي : اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم .

وتقديم ( ربي ) على فعل ( أكرمني ) وفعل ( أهانني ) ، دون أن يقول : أكرمني ربي أو أهانني ربي ، لقصد تقوي الحكم ، أي : يقول ذلك جازما به غير متردد .

وجملتا ( فيقول ) في الموضعين جوابان لـ ( أما ) الأولى والثانية ، أي : يطرد قول الإنسان هذه المقالة كلما حصلت له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق .

[ ص: 331 ] وأوثر الفعل المضارع في الجوابين لإفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين .

وحرف ( كلا ) زجر عن قول الإنسان ( ربي أكرمن ) عند حصول النعمة ، وقوله : ( ربي أهانني ) عندما يناله تقتير ، فهو ردع عن اعتقاد ذلك ، فمناط الردع كلا القولين ؛ لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل ، أي : ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند الله تعالى ، وإنما يعرف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه ، قال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) إلى قوله : ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) في سورة الكهف . فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ، ورب أشعث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبره .

فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإهانة ، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة ؛ لأن الله أهان الكافر بعذاب الآخرة ، ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق .

وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإنسان بقوله : ( فأكرمه ) وبين إبطال ذلك بقوله : ( كلا ) ؛ لأن الإبطال وارد على ما قصده الإنسان بقوله : ( ربي أكرمن ) أن ما ناله من النعمة علامة على رضى الله عنه .

فالمعنى أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسرارا وعللا لا يحاط بها ، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية ، والاستناد لمألوفات عادية ، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية ، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله . وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها ، وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها .

وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها ، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون .

[ ص: 332 ] وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( ربي ) في الموضعين بفتح الياء ، وقرأ الباقون بسكونها .

وقرأ الجمهور ( فقدر عليه ) بتخفيف الدال ، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال .

وقرأ نافع ( أكرمن ، وأهانن ) بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف . وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف ، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف ، وهو مرسوم في المصحف بدون ياء بعد النونين ، ولا منافاة بين الرواية ورسم المصحف . و ( كلا ) ردع عن هذا القول أي : ليس ابتلاء الله الإنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسببا على إرادة الله تكريم الإنسان ولا على إرادته إهانته . وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله : ( إن ربك لبالمرصاد ) بعد قوله : ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث